سورة الأنعام… نزلت ومعها موكب من الملائكة نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن 6

0 8

عداد- حمادة السعيد:
القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب، وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه، نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

والكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة «الأنعام» وموقعها بين سورة المائدة وسورة الأعراف.وعن سبب تسميتها بهذا الاسم يقول محمد الأمين في تفسير القرآن الكريم المسمى «تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن» :وسميت سورة الأنعام؛ لورود ذكر الأنعام فيها: «َجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا»، ولأن أكثر أحكامها الموضحة لجهالات المشركين تقربًا بها إلى أصنامهم مذكورة فيها. ومن خصائصها: ما أخرجه أبوعبيد وابن المنذر والطبري وابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت سورة الأنعام بمكة ليلًا جملة، وحولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح، وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفًا من الملائكة. وأخرج ابن مردويه عن أسماء: نزلت سورة الأنعام على النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد نظموا ما بين السماء والأرض. وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «أنزلت عليَّ سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتسبيح والتحميد». وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبوالشيخ والبيهقي في «الشعب» عن أنس قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «نزلت سورة الأنعام ومعها موكب من الملائكة يسد ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، والأرض ترتج، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم».

تنزيه الخالق
قال الشعراوي في تفسيره ان سورة الانعام بدأت بحمد الله تعالى والثناء عليه: وإن البشرية عندما استفادت من المصباح الكهربائي قامت الضجة لتكريم اديسون الذي اخترعه، فما بالنا بخالق الشمس التي تنير الكون كله؟ واذا كانت الاختراعات البشرية تخلد أصحابها وتقوم الضجة لتكريمهم. فما بالنا بخالق الكون كله؟ ما بالنا نكرم صانع المصباح الذي ينير مساحات ضيقة مهما اتسعت بالقياس إلى الأرض ويغفل بعضنا عن تنزيه خالق الشمس التي تنير الأرض في النهار وتختفي نصف اليوم حتى يستريح الإنسان؟ ولكنها تسير سيرا دائماً، فإن غابت عنك فقد أشرقت على غيرك فهي في فلكها تسبح..إذن فالحمد لله حينما استقبل الإنسان هذا الوجود. ووجد كل مقومات الحياة التي لا يمكن أن تخضع لقوة بشر، ولا لادعاء بشر. إن الحمد أمر واجب الوجود وإن اختلف الناس حول من يوجه له الحمد. إننا نوجهه إلى الله تعالى لأنه هو واهب النعم، وسور القرآن التي بدأها الخالق بالحمد لله خمس سور هي: الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر، وتتركز حول شيئين: تربية مادية بإقامة البنيان بالقوت أو بقاء النوع بالتزاوج أو بتربيتهم تربية روحية قيمية، فيمدهم بمنهج السماء. فمرة يقول الحق: «الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين» كلمة «رب» تعني أنه تولى تربية الخلق إلى غاية ومهمة، والتربية تحتاج إلى مقومات مادية ومقومات معنوية، روحية ومنهجية؛ لذلك يأتي بها الحق شاملة للكون كله كما في فاتحة الكتاب:»الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين».فهو سيد كل العالمين ومالكهم ومربيهم، وهو الذي ينشئهم التنشئة التي تجعلهم صالحين لأداء مهمتهم في الحياة بقوة البنيان وببقاء النوع بالتزاوج وبقوة القيم. ومرة ثانية يأتي الحق بالمنهج وحده، مثل قوله الحق سبحانه: «الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب}» [الكهف: 1] . ومرة أخرى يأتي الحق بالأشياء المنظورة فقط فيقول: «الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور» [الأنعام: 1] .إنه سبحانه يأتي هنا بأشياء تختص بالمادة المنظورة، كالسموات والأرض، والظلمات والنور، وهي أشياء يمكنك أن تراها بوضوح، ومرة يأتي الحق بأشياء غير منظورة مع الأشياء المنظورة كقوله الحق: «الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ» [فاطر: 1].
وعن مناسبة هذه السورة لما قبلها وهي سورة المائدة يقول المراغي في تفسيره: الناظر في ترتيب السور كلها في المصحف يرى أنه قد روعي في ترتيبها الطول والتوسط والقصر في الجملة؛ ليكون ذلك أعون على التلاوة، وأسهل في الحفظ، فالناس يبدؤون بقراءته من أوله، فيكون الانتقال من السبع الطوال إلى المئتين، فالمثاني، فالمفصل أنفى للمَلَل، وأدعى للنشاط، ويبدؤون بحفظه من آخره؛ لأنه أسهل على الأطفال، ولأنه قد روعي التناسب في معاني السور مع التناسب في مقدار الطول والقصر.
ووجه مناسبتها لآخر سورة المائدة هو أن معظم سورة المائدة في محاجة أهل الكتاب، ومعظم سورة الأنعام في محاجة المشركين والملحدة كما أن سورة الأنعام قد ذكرت فيها أحكام الأطعمة المحرمة والذبائح بالإجمال، وذكرت في المائدة بالتفصيل وهي قد نزلت أخيرًا. كذلك افتتحت سورة الانعام بالحمد، واختتمت المائدة بفصل القضاء، وبينهما تلازم كما قال في ختام سورة الزمر :»وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».

نفحات
وقال عمر سليمان صاحب كتاب «الله يحدث عباده عن نفسه» عن سورة الأنعام لقد بدأها الله تعالى بقوله «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» حمد العليُّ الأعلى – تبارك وتعالى – نفسه على خلقه السموات والأرض، وجعله الظلمات والنور، والسموات والأرض مخلوقان عظيمان، فالأرض موطننا الذي نعيش فيه، وقد جعل الله تعالى فيها الآيات البينات والحجج الظاهرات، ففيها الجبال والسهول والأنهار والبحار، وجعل الله فيها الحيوان والطيور والنبات، والسماء مخلوقٌ أعظم من الأرض، ونحن نشاهد شمسها وقمرها ونجومها، وحدَّثنا ربُّنا أنها سبعٌ، وهي مسكن الملائكة، وذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد بالظلمات ظلمات الليل، والمراد بالنور نور النهار. وقد ذمَّ الله تبارك وتعالى في خاتمة الآية الأولى الكفار بكونهم يعدلون أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم بالله ربِّ العالمين، وهؤلاء الكفرة ضالُّون جاهلون إذ يسوُّون آلهتهم المخلوقة الضعيفة بالله ربِّ العالمين الذي خلق السموات والأرضين، وجعل الظلمات والنور. وليست نفحات الرحمن أسرارا ، وبلاغة القرآن مقتصرة على ارتباط سورة الأنعام بما قبلها، وإنما هناك نفحات وأسرار في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة الأعراف وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله. فسبحان من أنزل الكتاب.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.