سورة الإسراء.. إكراماً ومكافأة للنبي صلى الله عليه وسلم نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن (12)

0 5

إعداد- حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب؟ وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه؟ نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

الكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة “الإسراء” وترتيبها بعد سورة النحل وسميت بالإسراء لافتتاحها بالحديث عن الإسراء كما أنها تسمى بسورة بني إسرائيل.

عام الحزن
جاء الإسراء عقب سلسلة من المعاناة لاقى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ما لاقى من إيذاء قومه حتى لقب هذا العام بعام الحزن فجاء الإسراء للتسرية عن النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك نجد أن سورة النحل ختمت بنداء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يدعو إلى سبيل الله بالحسنى وأن يصبر على ما يلاقيه فقال تعالى في ختام سورة النحل” وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)”.فكان بعد الصبر والابتلاء الفرج من الله فجاءت فاتحة الإسراء نتيجة لما تم في سورة النحل.

خصائص النبي
وجاء في “التفسير الوسيط للقرآن الكريم”: قال الجلال السيوطي: لما قال الله سبحانه في آخر النحل “إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ”: ذكر في الإسراء شريعة أهل السبت التي شرعها لهم سبحانه في التوراة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أَنه قالَ: إن التوراة كُلها في خَمْس عشرةَ آية من سُورة بني إِسرائيل أي سورة الإسراء، وقد ذكر تعالى فيها عصيانهم وإفسادهم وتخريب مسجدهم، واستفزازهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإِرادتهم إخراجه من المدينة، وسؤالهم إياه عن الروح، ثم ختمها جله شأنه بآيات موسى التسع، وخطابه مع فرعون وأَخبر سبحانه أَن فرعون أراد أَن يستفزهم من الأرض فَأهلِك … الخ. ولقد كانت رحلة الإسراء العظيمة بعد أَن قاسى النبي صلى الله عليه وسلم من قريش ومن حولهم من العنت والإيذاء، والإعراض والكبرياء ما يهدم الأجساد، ويحطم القوى، فلهذا أكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم برحلة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، وبرحلة المعراج من بيت المقدس إلى ما وراء سدرة المنتهى، لينفس عنه ما أصابه، ويسبغ عليه أسمى نعمه ورحمته، ويكشف له عن بعض آياته، ترفيها له ومكافأة على ما ناله من أذى قومه، وشحذًا لهمته في المرحلة المقبلة للدعوة، فقد كان الإسراء والمعراج به صلى الله عليه وسلم بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجه خديجة، حيث اشتد إيذاءُ قريش له بعد وفاتهما.
يقول إبراهيم البقاعي في “نظم الدرر في تناسب الآيات والسور” لما كان مقصود سورة النحل التنزه عن الاستعجال وغيره من صفات النقص، والاتصاف بالكمال لله لأنه قادر على الأمور الهائلة ومنها جعل الساعة كلمح البصر أو أقرب، وختمها بعد تفضيل إبراهيم عليه السلام والأمر باتباعه بالإشارة إلى نصر أوليائه – مع ضعفهم في ذلك الزمان وقلتهم – على أعدائه على كثرتهم وقوتهم، وكان ذلك من خوارق العادات ونواقص المطردات، وأمرهم بالتأني والإحسان، افتتح سورة الإسراء بتحقيق ما أشار الختم إليه بما خرقه من العادة في الإسراء، وتنزيه نفسه الشريفة من توهم استبعاد ذلك، تنبيها على أنه قادر على أن يفعل الأمور العظيمة الكثيرة الشاقة في أسرع وقت، دفعاً لما قد يتوهم أو يتعنت به من يسمع نهيه عن الاستعجال وأمره بالصبر، وبيانا لأنه مع المتقي المحسن، وتنويهاً بأمر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإعلاماً بأنه رأس المحسنين وأعلاهم رتبة وأعظمهم منزلة، بما آتاه من الخصائص التي منها المقام المحمود، وتمثيلا لما أخبر به من أمر الساعة فقال تعالى: “سبحان” وهو لفظ علم للتنزيه، دال على أبلغ ما يكون من معناه، فنزه نفسه الشريفة عن كل شائبة نقص يمكن أن يضفيها إليه أعداؤه بهذا اللفظ الأبلغ عقب الأمر بالتأني آخر النحل.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تقدم قوله “إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً” إلى قوله تعالى “ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً” الآية، كان ظاهر ذلك تفضيل إبراهيم عليه السلام على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى جميع الأنبياء لا سيما مع الأمر بالاتباع، فأعقب ذلك بسورة الإسراء، وقد تضمنت من خصائص نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وانطوت على ما حصل منه المنصوص في الصحيح والمقطوع به والمجمع عليه من أنه – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – سيد ولد آدم، فاستفتحت السورة بقصة الإسراء وقد تضمنت – حسبما وقع في صحيح مسلم وغيره – إقامته بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفيهم إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء من غير استثناء.
وذكر الإمام المراغي في تفسيره أن مناسبة سورة الإسراء وترتيبها بعد النحل أمور عدة منها أنه سبحانه ذكر فى سورة النحل اختلاف اليهود فى السبت، وهنا ذكر شريعة أهل السبت التي شرعها لهم فى التوراة، فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: “إن التوراة كلها في خمس عشرة آية من سورة بني إسرائيل” أي سورة الإسراء. ثانيا إنه لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلّم بالصبر ونهاه عن الحزن وضيق الصدر من مكرهم في السورة السالفة- ذكر هنا شرفه وعلو منزلته عند ربه..كما إنه ذكر في السورة السالفة أي النحل نعما كثيرة حتى سميت لأجلها سورة النعم، ذكر هنا أيضا نعما خاصة وعامة. وكما ذكر هناك أن النحل يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس- وهنا ذكر: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين. وأخيرا إنه فى النحل أمر بإيتاء ذي القربى، وكذلك في الإسراء مع زيادة إيتاء المسكين وابن السبيل.
وقال أبو حيان في تفسيره المعروف بالبحر المحيط:ومناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها أنه تعالى لما أمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر ونهاه عن الحزن عليهم وأن يضيق صدره من مكرهم، وكان من مكرهم نسبته إلى الكذب والسحر والشعر وغير ذلك مما رموه به، أعقب تعالى ذلك بذكر شرفه وفضله واحتفائه به وعلو منزلته عنده.
وليست بلاغة القرآن الكريم ونفحات الرحمن مقتصرة على ارتباط سورة الإسراء بما قبلها وإنما هناك نفحات في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة الكهف وهذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى. فسبحان منزل الكتاب بهذه البراعة والإتقان.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.