سورة البقرة… المعجزة الباهرة نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن (2)

0

إعداد- حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب؟ وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه؟ نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

والكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة ـ وهي سورة البقرة وموقعها في المصحف الشريف بعد سورة الفاتحة التي افتتح بها المصحف.
والسؤال المطروح : لماذا سميت سورة البقرة بهذا الاسم؟ ويجيب عن هذا السؤال الصابوني رحمه الله في تفسيره «صفوة التفاسير» فيقول: سميت السورة الكريمة «سورة البقرة « إحياء لذكرى تلك المعجزة الباهرة، التي ظهرت فِي زمن موسى الكليم، حيث قتل شخص من بني إسرائيل ولم يعرفوا قاتله، فعرضوا الأمر على موسى لعله يعرف القاتل، فأوحى الله تعالى إليه أن يأمرهم بذبح بقرة، وأن يضربوا الميت بجزء منها فيحيا بإذن الله ويخبرهم عن القاتل، وتكون برهانا على قدرة الله جل وعلا فِي إحياء الخلق بعد الموت».
وهذه السورة تسمى أيضا بالسنام ، وبالذروَة ، وبالزهراء ، وبالفسطاط وعن هذه الأسماء يقول القماش في كتابه «جنة المشتاق في تفسير كلام الملك الخلاق»: وسميت بالزهراء لأنه لا يجابها إسفار الوجوه في يوم الجزاء لمن آمن بالغيب ولم يكن في شك مريب، فيحال بينه وبين ما يشتهي ولأنها سورة الكتاب الذي هو هادٍ، والهادي يلازمه النور الحسي المدرك بالبصر، أو المعنوي المدرك بالبصيرة. وبالسنَام : لان السنام أعلى ما فِي الطية الحاملة، والكتاب الذي هي سورته، هو أعلى ما فِي الحامل للأمة فِي مسيرهم إلى دار القرار، وهو الشرع الذي أتاهم به رسولهم – صلى الله عليه وسلم – وبهذا علم – أيضاً – سر التسمية بالذروة وبالفسطاط، والفسطاط : هو الخيمة، والمدينة ، والجماعة، ولا شك أن الكتاب من الدين بتلك المنزلة.

آيات بينات
ويضيف الصابوني: وقد ابتدأت السورة الكريمة بذكر أوصاف المتقين، وابتداء السورة بالحروف العظيمة (الم) وتصديرها بهذه الحروف الهجائية يجذب أنظار المُعرضين عن هذا القرآن، إِذ يطرق أسماعهم لأول وهلة ألفاظ غير مألوفة في تخاطبهم، فينتبهوا إِلى ما يُلقى إليهم من آياتٍ بينات، وفي هذه الحروف وأمثالها تنبيهٌ على «إعجاز القرآن» فإِن هذا الكتاب منظومٌ من عين ما ينظمون منه كلامهم، فإِذا عجزوا عن الإِتيان بمثله، فذلك أعظم برهان على إِعجاز القرآن. ويقول العلامة ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور بياناً لإِعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وعن نفحات الرحمن في ترتيب سورة البقرة بعد سورة الفاتحة يقول الغرناطي في كتابه «البرهان في تناسب سور القرآن» :لما قال العبد بتوفيق ربه «اهدنا الصراط المستقيم ، قيل له: «ذلك الكتاب لا ريب فيه» هو مطلوبك وفيه ما مقصودك، وهو الصراط المستقيم «هدى للمتقين» القائلين اهدنا الصراط المستقيم والخائفين من حال الفريقين المغضوب عليهم والضالين، فاتخذوا خوف ربهم وتقواه وقاية من العذاب بامتثال أمره ونهيه، وقيل في وصف المتقين أنهم «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ» ويقول في موضع آخر ذاكرا التناسب بين سورة البقرة وسورة الفاتحة : ولما بين سبحانه أن الكتاب هو الصراط المستقيم، وذكر افتراق الأمم كما شاء، وأحوال الزائغين والمتنكبين تحذيرا من حالهم ونهيا عن مرتكبهم وحصل قبيل المتروك بجملته وانحصار التاركين، وأعقب بذكر ملتزمات المتقين وما ينبغي لهم امتثاله والأخذ به من الأوامر والأحكام والحدود، أعقب ذلك بأن المرء يجب أن ينطوي على ذلك ويسلم الأمر لمالكه فقال تعالى:”آمن الرسول” وإيمان الرسول ومن كان معه على إيمانه أنهم قالوا:.”سمعنا وأطعنا” لا كقول بني إسرائيل «سمعنا عصينا»، وأنه أثابهم على إيمانهم برفع المشقة والمؤاخذة بالخطأ والنسيان عنهم فقال: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها» فحصل من هذه السورة بأسرها بيان الصراط المستقيم على الاستيفاء والكمال، أخذا وتركا، وبيان شرف من أخذ به، وسوء حال من تنكب عنه، وكأن العباد لما عُلِّموا أن يقولوا»اهدنا الصراط المستقيم» إلى آخر السورة قيل لهم عليكم بالكتاب إجابة لسؤالهم، ثم بيّن لهم حال من سلك ما طلبوه من الصراط المستقيم، وفي المقابل بين لهم حال المغضوب عليه والضالين ،فيجب على من رغب في سلوك الصراط المستقيم أن يحذر ما أصاب هؤلاء مما نبه عليه، وأن ينسحب إيمانه على كل ذلك وأن يسلم الأمر لله الذي يَطلب منه الهداية ويتضرع إليه بأن لا يؤاخذه لما يثمره الخطأ والنسيان وألا يُحمله ما ليس في وسعه وأن يعفو عنه إلى آخر السؤال.

أخذها بركة
ولقد ورد في فضل سورة البقرة أمور كثيرة منها ما رواه مسلم في «صحيحه» عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: «اقرؤوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة».والبطلة هم السحرة. وروى مسلم أيضًا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تَقْدُمه سورة البقرة وآل عمران». وأخرج الإمام مسلم والنسائي عن ابن عباس قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل، إذ سمع نقيضا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط. قال: فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته». وأخرج الحاكم وصححه البيهقي في الشعب عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه تحت العرش. فتعلموهما، وعلموهما نساءكم وأبناءكم، فإنهما صلاة وقرآن ودعاء». وروى الشيخان وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»وفي سورة البقرة آية هي سيدة القرآن هي آية الكرسي. وليست نفحات الرحمن أسرار وبلاغة القرآن مقتصرة على ارتباط سورة البقرة بما قبلها وإنما هناك نفحات وأسرار في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة آل عمران وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله. فسبحان من أنزل الكتاب.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ثلاثة عشر − ستة =