سورة التوبة… لم تبدأ بالبسملة نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن (8)

0 3

إعداد- حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب؟ وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه؟ نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب، وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه، نتعرف على كل هذا فنزداد فهماً وتمسكاً بكتاب ربنا. والكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة التوبة وتقع في ترتيب المصحف بين سورتي الأنفال ويونس.
وسورة التوبة لها أسماء عدة كما أنها السورة الوحيدة في المصحف التي لم تبدأ بـ بسم الله الرحمن الرحيم وفي هذا يقول العلامة محمد الامين في تفسير “حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن”: سورة التوبة مدنية بإجماع المفسرين، قال ابن الجوزي: سوى آيتين في آخرها “لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ”إلى آخر السورة، فإنَّهما نزلتا بمكة، ولهذه السورة أسماء عشرة منها: سورة التوبة؛ لأنَّ فيها التوبة على المؤمنين..ومنها: سورة براءة؛ لأنَّ فيها ذكر براءة الله سبحانه وتعالى ورسوله – صلى الله عليه وسلم – من المشركين، وهذان الاسمان مشهوران.ومنها: المقشقشة، قاله ابن عمر؛ لأنَّها تقشقش من النفاق؛ أي تبرئ منه.ومنها: المبعثرة؛ لأنَّها تبعثر عن أخبار المنافقين، وتبحث عنها وتثيرها.ومنها: الفاضحة، قاله ابن عباس؛ لأنَّها فضحت المنافقين.ومنها: سورة العذاب، قاله حذيفة. ومنها: المخزية؛ لأنَّ فيها خزي المنافقين. ومنها: المدمدمة؛ لأنَّ فيها هلاك المنافقين.ومنها: المشردة؛ لأنها شردت جموع المنافقين وفرقتهم.
ومنها: المثيرة؛ لأنَّها أثارت مخازي المنافقين، وكشفت عن أحوالهم، وترتيبها في المصحف بعد سورة الانفال التي نزلت بالمدينة عقب غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة..وعن سعيد بن جبير قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: بل هي الفاضحة، ما زالت تقول: ومنهم ومنهم، حتى ظنوا أن لا يبقى أحد إلا ذكر فيها.
قد اختلف العلماء في سقوط البسملة من أولها على أقوال:عن المبرد وغيره أنَّه كان من شأن العرب إذا كان بينهم وبين قوم عهدٌ فأرادوا نقضه ..كتبوا إليهم كتابًا، ولم يكتبوا فيه بسملةً، فلمَّا نزلت براءة بنقض العهد الذي كان بين النبي – صلى الله عليه وسلم – والمشركين .. بعث بها النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – عليَّ بن أبي طالب، فقرأها عليهم، ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادة العرب.
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: سألت عليَّ بن أبي طالب: لِمَ لا تكتب في براءة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟ قال: لأنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أمان، وبراءة نزلت بالسيف.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين أي السورة التي تصل لمائة آية، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ووضعتموها في السبع الطِّوال، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كثيرًا ما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء .. دعا بعض من كان يكتب، فيقول: “ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا”، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر لمناسبة بينها وبين ما قبلها أنها كالمتممة لها في معظم ما في أصول الدين وفروعه، وفي التشريع الذي جلّه في أحكام القتال والاستعداد له، وأسباب النصر فيه، وأحكام المعاهدات والمواثيق من حفظها ونبذها عند وجود المقتضى لذلك، وأحكام الولاية في الحرب وغيرها بين المؤمنين بعضهم مع بعض، والكافرين بعضهم مع بعض، وأحوال المؤمنين الصادقين والكفار والمذبذبين من المنافقين ومرضى القلوب، فما بدئ به في الأولى أتم في الثانية وهاك أمثلة على ذلك منها تفصيل الكلام في قتال المشركين وأهل الكتاب ذكر في الأولى صدّ المشركين عن المسجد الحرام، وأنهم ليسوا بأوليائه، وجاء في الثانية “ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ” إلى آخر الآيات ، كذلك ذكرت العهود فيي سورة الأنفال، وافتتحت سورة التوبة بتفصيل الكلام فيها، كذلك ذكر في سورة الأنفال الترغيب في إنفاق المال في سبيل الله، وجاء ذلك بأبلغ وجه في براءة.
كما جاء في سورة الأنفال ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وفصل ذلك في براءة أتم تفصيل وهذا يبين بعض أسرار الترتيب بين براءة وما قبلها وهي الانفال.
توضيح
جاء في التفسير القرآني للقرآن لعبد الكريم يونس الخطيب: كانت غزوة بدر أول موقف وقفه المسلمون إزاء الغنائم التي وقعت لأيديهم من يد أعدائهم فى ميدان القتال ولهذا اضطربت مشاعر المسلمين فيها، واختلفت أنظارهم عليها.. فمن قائل إنها لمن جمع الغنائم وحازها ليده، ومن قائل إنها لمن قاتل والتحم بالعدو.. ومن قائل- إنها لمن شهد القتال، قاتل أو لم يقاتل، حاز غنيمة أو لم يحزها.. ومن قائل إنها للجماعة الإسلامية ولهذا نزلت سورة الانفال لتوضح ذلك .
وعن ربط سورة التوبة بما بعدها وهي سورة يونس يقول صاحب التفسير القرآني: أن سورة التوبة قد ختمت بقوله تعالى: “لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ..”وفي هذا إلفات للعرب عامة، ولقريش خاصة إلى الحقوق الإنسانية الواجبة عليهم نحو هذا الرسول. المبعوث إليهم من بينهم، ومن ذوي قرابتهم..وهذه السورة، جاء ابتداؤها منكرا على قريش وعلى العرب تنكّرهم لهذا الرسول، ووقوفهم منه موقف المشاقة والعناد، مع ما بين يديه من آيات ربه، التي تشهد بأنه رسول رب العالمين.
فناسب لذلك أن تجيء سورة يونس، بعد سورة التوبة، إذ كانت خاتمة التوبة أشبه بسؤال، وكان بدء يونس أشبه بجواب لهذا السؤال ..أو كانت خاتمة التوبة تقريرا لحكم، وكان بدء يونس تعقيبا على هذا الحكم.
وقال البقاعي في ” نظم الدرر في تناسب الآيات والسور”: ولما كان ظاهر الحال وقت تكامل نزولها – بعد مرجع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من تبوك – أن الحرب قد وضعت أوزارها وأطفئت نارهم ببسط الإسلام في الخاص والعام، وما بين اليمن والشام، وانتشار ألويته وأعلامه، وتأيد رئيسه وإمامه بقهر جيوش الكفار، وقصد الناس له بالاتباع من جميع الأمصار، أكد أمر الجهاد ومصادمة الأنداد في هذه السورة تأكيداً لم يؤكد في غيرها.
وهذه بعض من نفحات الرحمن وأسرار وبلاغة القرآن في ارتباط سورة التوبة بما قبلها وبما بعدها فسبحان من أنزل الكتاب.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.