سورة الحجر… فيها أطول كلمة في القرآن وهي: «فَأَسْقَيْنَاكُموه» نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن (10)

0

إعداد- حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب؟ وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه؟ نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

إعداد – حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين أيدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
الكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة “الحجر” وموقعها في المصحف الشريف بعد سورة إبراهيم وفيها أطول كلمة في القرآن وهي: “فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ” وقد بدأت السورة بالاشارة الى آيات الكتاب العزيز المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
يقول الزحيلي في التفسير المنير: وسميت سورة الحجر لذكر قصة أصحاب الحجر فيها، وهم ثمود، والحجر: واد بين المدينة والشام. وهناك تناسب بين هذه السورة وسورة إبراهيم في البدء والختام والمضمون، أما البداية: فكلتا السورتين افتتحتا بوصف الكتاب المبين، وأما المضمون: ففي كليهما وصف السموات والأرض، وإيراد جزء من قصة إبراهيم عليه السلام وبعض قصص الرسل السابقين، تسلية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم عما تعرض له من أذى قومه بتذكيره بما تعرض له الأنبياء من قبله، ونصرة الله لهم، مع نقاش الكفار والمشركين. وأما الخاتمة: ففي سورة إبراهيم وصف تعالى أحوال الكفار يوم القيامة بقوله: “وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ، سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ، وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ…” ثم قال هنا في هذه السورة: “ربَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ”.

بيان مبين
يقول عبد الكريم الخطيب في “التفسير القرآني للقرآن”: ومناسبة هذه السورة لما قبلها، هي أن ختام السورة السابقة وهي ابراهيم كان قوله تعالى:”هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ” وهذا الختام يحدّث عن القرآن الكريم بأنه بيان مبين للناس، وبلاغ يبلغ بهم طريق الحق والإيمان فكان مفتتح هذه السورة سورة الحجر- حديثا آخر عن القرآن الكريم، بأنه كتاب وقرآن مبين، فكان هذا البدء مؤكدا لهذا الختام.
وقال المراغي في تفسيره ومناسبة سورة الحجر لما قبلها وهي ابراهيم وسر اتيانها بعدها له عدة وجوه: إنها افتتحت بمثل ما افتتحت به سابقتها من وصف الكتاب المبين..إنها شرحت أحوال الكفار يوم القيامة وتمنيهم أن لو كانوا مسلمين كما كانت السالفة كذلك..إن في كل منهما وصف السماوات والأرض..إن في كل منهما قصصا مفصّلا عن إبراهيم عليه السلام..إن في كل منهما تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم بذكر ما لاقاه الرسل السالفون من أممهم وكانت العاقبة للمتقين.
وجاء في “البرهان في تناسب سور القرآن” لأحمد بن إبراهيم الغرناطي: لما تقدم من وعيد الكفار ما تضمنته الآيات المختتم بها سورة إبراهيم عليه السلام من لدن قوله سبحانه: “ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون” إلى خاتمتها (الآيات: 42 – 32) أعقب ذلك بقوله: في الآية الثانية من سورة الحجر “رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ” أي عند مشاهدة تلك الأهوال الجلائل، ثم قال تعالى تأكيدا لذلك الوعيد “ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ”.ثم أعقب تعالى هذا بيان ما جعله سنة في عباده من ارتباط الثواب والعقاب معجله ومؤجله بأوقات وأحيان لا انفكاك لهما عنها، ولا تقدم ولا تأخر إذ استعجال البطش في الغالب إنما يكون ممن يخاف الفوت، والعالم بجملتهم لله تعالى وفي قبضته لا يفوته أحد منهم ولا يعجزه، قال تعالى: “وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم” وكان هذا يزيده إيضاحا قوله عز وجل “إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار”، وقوله: “وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ”وقوله: “يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ …” الآية.
ويضيف الامام المراغي رحمه الله: تأمل نزول قوله تعالى: “رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ”على هذا وعظيم موقعه في اتصاله به ووضوح ذلك كله.
وقال السيوطي في “أسرار ترتيب القرآن” كلاما مفاده أن تأخر سورة الحجر في الترتيب عن ابراهيم له وجوه ودلالات منها إنما أُخرت الحجر عنها لقصرها بالنسبة إليها، فناسب تقديم الأطول، مع مناسبة ما خُتمت به لبراعة الختام وهو قوله: “وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ”. ، فإنه مفسر بالموت، وذلك مقطع في غاية البراعة.

تشابه الأطراف
يقول السيوطي رحمه الله: ثم ظهر لي وجه اتصال أول هذه السورة بآخر سورة إبراهيم؛ فإنه تعالى لما قال هناك في وصف يوم القيامة: “وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ، وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ” “إبراهيم: 48-50″، قال هنا: “رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ” فأخبر أن المجرمين المذكورين إذا طال مكثهم في النار، ورأوا عصاة المؤمنين الموحدين قد أُخرجوا منها تمنوا أن لو كانوا في الدنيا مسلمين، وذلك وجه حسن في الربط، مع اختتام آخر تلك بوصف الكتاب، وافتتاح هذه به، وذلك من تشابه الأطراف.
وذكر صاحب في ظلال القرآن كلاما مفاده أن سورة الحجر لم يقتصر ارتباطها بسورة ابراهيم التي تسبقها بعد تعداها للارتباط بسورتي البقرة والأعراف اللتين تسبقانها في ترتيب المصحف وهذا من إعجاز القرآن الكريم وبلاغته وانه كل لا يتجزأ حيث ذكرت السور الثلاث ـ البقرة والأعراف والحجرـ أجزاء من قصة آدم عليه السلام ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص، في معرض خاص، في جو خاص. ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع، واختلفت طريقة الأداء، مع المشاركة في بعض المقدمات والتعقيبات بقدر الاشتراك في الأهداف. فتشابهت مقدمات القصة في السور الثلاث؛ في الإشارة إلى التمكين للإنسان في الأرض وإلى استخلافه فيها..في البقرة كانت نقطة التركيز في السياق هي استخلاف آدم في الأرض التي خلق الله للناس ما فيها جميعا وأسرار هذا الاستخلاف الذي عجبت له الملائكة لما خفي عليهم سره ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره…وفي الأعراف كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها، وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها… وأما هنا في سورة الحجر فنقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم، وسر الهدى والضلال، وعواملهما الأصيلة في كيان الإنسان. ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمأ مسنون. وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين. إنما سلطانه على من يدينون له ولا يدينون لله. وليست بلاغة القرآن الكريم ونفحات الرحمن مقتصرة على ارتباط سورة الحجر بما قبلها وإنما هناك نفحات في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة النحل وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

سبعة عشر − 12 =