سورة الحج… تخليداً لدعوى الخليل إبراهيم نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن 17

0

إعداد- حمادة السعيد:
القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب؟وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه؟ نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

الكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة “الحج” والتي تأتي تالية لسورة الأنبياء.
وعن سبب تسميتها بسورة الحج يقول محمد الأمين صاحب “تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن”: سمّيت سورة الحج بهذا الاسم، تخليدًا لدعوى الخليل إبراهيم، عليه السلام، حين انتهى من بناء البيت العتيق، ونادى الناس لحج البيت الحرام، فتواضعت الجبال، حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأُسمع نداؤه من في الأصلاب والأرحام، وأجابوا النداء بقولهم: “لبيك اللهم لبيك”.

سورة عجيبة
هذه السورة من السور العجيبة والتي يقول عنها المراغي في تفسيره: قال العزيزي: وهي من أعاجيب السور نزلت ليلا ونهارا سفرا وحضرا، مكيا ومدنيا، سلميا وحربيا، محكما ومتشابها.وهي بحسب موضوعاتها أقسام ثلاثة:البعث والدليل عليه وما يتبع ذلك..الحج والمسجد الحرام..أمور عامة كالقتال وهلاك الظالمين والاستدلال بنظام الدنيا على وجود الخالق وضرب المثل بعجز الأصنام وعدم استطاعتها خلق الذباب.
وأما عن تناسب سورة الحج مع سورة الأنبياء التي تسبقها في ترتيب المصحف والحكم الآلهية التي أودعها الله في هذا الترتيب فيقول المراغي في تفسيره :ومناسبتها للسورة قبلها من وجوه أولها إن آخر السورة قبلها كان في أمر القيامة كقوله: يوم نطوى السماء كطي السجل للكتب، وقوله: واقترب الوعد الحق وأول هذه السورة الاستدلال على البعث بالبراهين العقلية..ثاني هذه الروابط إنه قد أقيمت في السورة السالفة أي سورة الأنبياء الحجج الطبيعية على الوحدانية – وفي هذه جعل العلم الطبيعي من براهين البعث. وفي السورة السالفة وما قبلها قصص الأنبياء وبراهينهم لقومهم، وفي هذه السورة خطاب من الله للأمم الحاضرة، وهو خطاب يسترعي السمع ويوجب علينا ولو إجمالا أن نعرف صنع الله في أرضه وسمائه وتدبيره خلق الأجنّة والنبات والحيوان.
ويقول الشوكاني في تفسيره “فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير”: عن التناسب بين السورتين لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة ـ أي إعادة الناس بعد الموت ـ وما قبلها وما بعدها بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: يا أيها الناس اتقوا ربكم أي: احذروا عقابه بفعل ما أمركم به من الواجبات وترك ما نهاكم عنه من المحرمات، ولفظ الناس يشمل جميع المكلفين من الموجودين ومن سيوجد”.
ويقول أبو حيان صاحب “البحر المحيط” في تفسير القرآن رابطا ختام سورة الأنبياء ببداية سورة الحج ومدى التناسب بينهما :”ومناسبة أول هذه السورة لما قبلها أن الله سبحانه ذكر حال الأشقياء والسعداء وذكر الفزع الأكبر وهو ما يكون يوم القيامة، وكان مشركو مكة قد أنكروا المعاد وكذبوه بسبب تأخر العذاب عنهم. نزلت هذه السورة تحذيرا لهم وتخويفا لما انطوت عليه من ذكر زلزلة الساعة وشدة هولها.
يقل صاحب كتاب “البرهان في تناسب سور القرآن”: “لما افتتحت سورة الأنبياء بقوله تعالى: “اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)” وكان في معرض التهديد، وتكرر في مواضع منها كقوله تعالى: ” وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) ” وقوله “سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ” (الآيات: 37 :39 من سورة الأنبياء) وقوله ” وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) وقوله “كل إلينا راجعون ” (آية: 93) “وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ” (آية: 97) “إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) ” وقوله “يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ” (آية: 104) إلى ما تخلل هذه الآيات من التهديد وتشديد الوعيد حتى لا تكاد تجد أمثال هذه الآيات في الوعيد والإنذار بما في الساعة وما بعدها وما بين يديها في نظائر هذه السورة، وقد ختمت من ذلك بمثل ما به ابتدئت، اتصل بذلك ما يناسبه من الإعلام بهول الساعة وعظيم أمرها فقال تعالى: “يا أيها الناس اتقوا ربكم” إلى قوله تعالى “ولكن عذاب الله شديد”..ثم أتبع هذا ببسط الدلالات على البعث الأخير وإقامة البرهان “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ” ثم قال: “ذلك بأن الله هو الحق” أي وضح من تقلبكم من حالة إلى حالة في الأرحام وبعد خروجكم إلى الدنيا وأنتم تعلمون ذلك من أنفسكم وتشاهدون الأرض على صفة من الهمود والموت إلى حين نزول الماء فتحيا وتخرج أنواع النبات وضروب الثمرات تسقى بماء واحد “ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى” كما أحياكم أولا وأخرجكم من العدم إلى الوجود وأحيا الأرض بعد موتها وهمودها كذلك تأتي الساعة من غير ريب ولا شك ويبعثكم لما وعدتم من حسابكم وجزائكم “فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ”.
وقال الزحيلي في “التفسير المنير”:سميت سورة الحج لإعلان فريضة الحج فيها على الناس، على لسان إبراهيم الخليل عليه السلام: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ بعد بناء البيت العتيق، فأذن، فبلغ صوته أنحاء الأرض، وأسمع النطف في الأصلاب والأجنة في الأرحام، وأجابوا النداء: “لبيك اللهم لبيك”. وهناك تناسب وارتباط بين بداية هذه السورة، وخاتمة السورة السابقة، فقد ختم الله سورة الأنبياء ببيان اقتراب الساعة ووصف أهوالها في قوله: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ، فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا وافتتح هذه السورة بقوله: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ.وفي السورة المتقدمة بيان قصص أكثر من عشرة من الأنبياء تدور على ما قاموا به من إثبات توحيد الله، ونبذ الشرك، والإيمان بالبعث، وفي هذه السورة استدلال بخلق الإنسان بأطواره المتعددة وبإبداع السموات والأرض على قدرة الله على إحياء البشر للبعث، وعلى وجوده تعالى ووحدانيته، ثم تنبيه الأفكار على الالتفات لأحوال أهل القرى الظالمة التي أهلكها الله، والاتعاظ بها بسبب تكذيبهم الرسل.
وليست نفحات الرحمن وبلاغة القرآن مقتصرة على ارتباط سورة الحج بما قبلها وإنما هناك نفحات في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة المؤمنون وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله. فسبحان من أنزل الكتاب وجعله هدى ونوراً.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

إحدى عشر − 8 =