سورة العنكبوت.. تصف المشركين بالعنكبوت في ضعفها نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن (23)

0 16

إعداد- حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب؟ وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه؟ نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
والكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة “العنكبوت” والتي تأتي تالية لسورة القصص.
قال الصابوني في تفسيره “صفوة التفاسير”: تبتدئ السورة الكريمة بهذا البدء الصريح “الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) العنكبوت”؟ وتمضي السورة تتحدث عن فريق من الناس يحسبون الإيمان كلمة تقال باللسان، فإذا نزلت بهم المحنة والشدة، انتكسوا إلى جحيم الضلال، وارتدوا عن الإسلام تخلصا من عذاب الدنيا، كأن عذاب الآخرة أهون من عذاب الدنيا.
وتتحدث عن محنة الأنبياء وما لاقوه من شدائد وأهوال في سبيل تبليغ رسالة الله، بدءا بقصة نوح، ثم إبراهيم، ثم لوط، ثم شعيب، وتتحدث عن بعض الأمم الطغاة المتجبرين، كعاد، وثمود، وقارون، وهامان وغيرهم وتذكر ما حل بهم من الهلاك والدمار. وفي قصص الأنبياء دروس من المحن والابتلاء، تتمثل في ضخامة الجهد وضالة الحصيلة، فهذا نوح عليه السلام يمكث في قومه تسعمائة وخمسين سنة، يدعوهم إلى الله فما يؤمن معه إلا قليل وهذا أبوالأنبياء إبراهيم الخليل يحاول هداية قومه بكل وسيلة، ويجادلهم بالحجة والبرهان، فما تكون النتيجة إلا العلو والطغيان، وفي قصة لوط يظهر التبجح بالرذيلة دون خجل أو حياء.. وبعد ذلك الاستعراض السريع لمحنة الأنبياء، تمضي السورة الكريمة تبين صدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد سميت “سورة العنكبوت” بهذا الاسم لأن الله ضرب العنكبوت فيها مثلا للأصنام المنحوتة، والآلهة المزعومة.

امتحان
عن تناسب سورة العنكبوت مع سورة القصص فيقول أبو جعفر بن الزبير في كتابه”البرهان في تناسب سور القرآن”: افتتحت سورة القصص بذكر امتحان بنى إسرائيل بفرعون وابتلائهم بذبح أبنائهم وصبرهم على عظيم تلك المحنة، ثم ذكر تعالى حُسن عاقبتهم وثمرة صبرهم، وتعرض لامتحان أم موسى بفراقه حال الطفولة وابتداء الرضاع، وصبرها على أليم ذلك المذاق، حتى رده تعالى إليها أجمل رد وأحسنه، وكل هذا ابتلاء أعقب خيرا، وخُتم برحمة، ثم بضرب آخر من الابتلاء، أعقب محنة وأورث شرا وسوء فتنة، وهو ابتلاء قارون بماله وافتتانه به “فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ” فحصل من هذا أن الابتلاء في غالب الأمر سنة، وجرت منه سبحانه في عباده ليميز الخبيث من الطيب، وهو المنزه عن الافتقار إلى تعرف أحوال العباد بما يبتليهم به، إذ قد علم كون ذلك منهم قبل كونه، إذ هو موجده وخالقه كان خيرا أو شرا، فكيف يغيب عنه أو يفتقر تعالى إلى ما به يتعرف أحوال العباد، أو يتوقف علمه على سبب “ألا يعلم من خلق” (الملك: 14) ولكن هي سنة في عباده ليظهر لبعضهم من بعض عند الفتنة والابتلاء ما لم يكن ليظهر قبل ذلك حتى يشهدوا على أنفسهم وتقوم الحجة عليهم. فلما تضمنت سورة القصص هذا الابتلاء في الخير والشر، وبه وقع افتتاحها واختتامها هذا، وقد أشارت الى خروج نبينا – صلى الله عليه وسلم – من بلده ومنشئه ليأخذه عليه السلام بأوفر حظ مما ابتلى به الرسل والأنبياء من مفارقة الوطن وما يحرز لهم الأجر المناسب لعلي درجاتهم عليهم السلام، ثم بشارته – صلى الله عليه وسلم – آخرا بالعودة والظفر “إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ” (القصص: 85)، فأعقب سبحانه هذا بقوله معلما للعباد ومنبها أنها سنته فيهم فقال: “أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ”.ويذكر المراغي رحمه الله في تفسيره عن التناسب بين هاتين السورتين فيقول “ووجه اتصالها بما قبلها من وجوه: إنه ذكر في السورة السالفة استعلاء فرعون وجبروته، وجعله أهلها شيعا، وافتتح هذه السورة بذكر المؤمنين الذين فتنهم المشركون، وعذبوهم على الإيمان، كما عذب به فرعون بني إسرائيل تسلية لهم بما وقع لمن قبلهم، وحثا لهم على الصبر، كما قال: “وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ”..ذكر في السورة السابقة نجاة موسى من فرعون وهربه منه ثم عودته إلى مصر رسولا نبيا، ثم ظفره من بعد بغرق فرعون وقومه ونصره عليهم نصرا مؤزّرا، وذكر هنا نجاة نوح عليه السلام وأصحاب السفينة وإغراق من كذبه من قومه. كما نعى هناك على عبدة الأصنام والأوثان، وذكر أنه يفضحهم يوم القيامة على رؤوس الأشهاد- وهنا نعى عليهم أيضا وبيّن أنهم في ضعفهم كضعف بيت العنكبوت.

الولاء لله
وقال صاحب كتاب “التفسير القرآني للقرآن”:مناسبتها لما قبلها كان ختام سورة القصص دعوة إلى النبيّ الكريم، وإلى المؤمنين جميعا، أن يكون ولاؤهم كلّه لله، ولدين الله، وأن يكون ما بينهم وبين أهليهم وذوى قرابتهم، من وراء هذا، وأنه لا بأس إذا قطع الإنسان رحمه، وعادى أهله في سبيل دينه، إذا كان في صلة الرحم، وموادّة الأهل، ما يجور على الدين وقد كان..ثم كان بدء سورة “العنكبوت” إعلانا صريحا للمؤمنين، بما انطوى عليه ختام سورة “القصص” وهو أن الإيمان له تبعاته وأعباؤه التي يجب أن يتحملها المؤمنون في رضا، وأن يتقبلوها في صبر واحتساب لما وعدهم به الله سبحانه وتعالى، من ثواب عظيم، وأجر كريم.. ثم تعرضت السورة لهذا المثل وهو انثى العنكبوت ومناسبته في السورة التي تحمل هذا الاسم هو أنه لما ذكر الله سبحانه وتعالى بعضا من تلك الأقوام الضالة، التي كذبت برسل الله، واستمسكت بما كانت عليه من شرك كان هذا المثل مرآة يرى عليها الناس صورة مجسدة لهؤلاء المشركين وما عبدوا من دون الله.. إن هؤلاء المشركين، كالعنكبوت.. في ضعفها وصغر شأنها..فهؤلاء المشركون، هم في يد القدرة القادرة، وإزاء سلطان الله الغالب القاهر- أقل من العنكبوت شأنا، وأضعف منها حيلة وحولا..ثم إن هؤلاء المشركين في ضعفهم وصغر شأنهم، قد اتخذوا من الأصنام، وغير الأصنام، آلهة يعبدونها من دون الله، ليكون لهم منها قوة وسندا- كما يقول سبحانه: “وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا” (81: مريم) فكان مثلهم في ذلك مثل العنكبوت، حين تتخذ لها بيتا، تقيمه حولها، وتسكن إليه، وتحتمى به.. إنه لا يثبت لأية لمسة من ريح عابرة، أو حشرة طائرة.. وإن هذه الآلهة التي دخل القوم في حماها، لهى أو هي من بيت العنكبوت، لا تدفع عن الداخلين في حماها أذى، ولا ترد شراً..فسبحان من أنزل الكتاب.

You might also like