سورة الفاتحة…من أعظم السور في القرآن الكريم نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن (1)

0

إعداد- حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب، وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه، نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

الكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة الفاتحة وموقعها بين سورة الناس التي ختم بها المصحف وسورة البقرة التي تأتي تالية لها.
ومن نفحات القرآن وعجائبه أن اسم كل سورة مترجم لما فيها وكأن اسم السورة هو موجز الأنباء ثم تأتي التفصيلات بعد ذلك بعد أن تهيأ القارئ نفسيا وروحيا لسماع التفصيل بعد الموجز وفي هذا يقول البقاعي، رحمه الله، في كتابه «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور»: اسم كل سورة مترجم عن مقصودها ؛لأن في اسم كل شيء تظهر المناسبة بينه وبين مسماه، وفيه عنوانه الدال إجمالا على تفصيل ما فيه، وذلك هو الذي أنبأ به آدم عليه الصلاة والسلام عند العرض على الملائكة، ومقصود كل سورة هاد إلى تناسبها، فالفاتحة اسمها «أم الكتاب» و»الأساس» و»المثاني» و»الكنز» و»الشافية» و»الكافية» و»الوافية» و»الواقية» و»الرقية» و»الحمد» و»الشكر» و»الدعاء» و»الصلاة»، فكل شيء لا يفتتح بها لا اعتداد به، وهي كنز لكل شيء شافية لكل داء، كافية لكل هم، وافية بكل مرام، واقية من كل سوء، وهي إثبات للحمد الذي هو الإحاطة بصفات الكمال، وللشكر الذي هو تعظيم المنعم، وهي عين الدعاء، وأعظم مجامعها الصلاة.
فالغرض الذي سبقت له الفاتحة وهو إثبات استحقاق الله تعالى لجميع المحامد وصفات الكمال، واختصاصه بملك الدنيا والآخرة، وباستحقاق العبادة والاستعانة، بالسؤال في المنّ بإلزام صراط الفائزين والإنقاذ من طريق الهالكين مختصا بذلك كله، ومدار ذلك كله مراقبة العباد لربهم، لإفراده بالعبادة، فهو مقصود الفاتحة، فإنه لابد في ذلك من إثبات إحاطته تعالى بكل شيء ولن يثبت حتى يعلم أنه المختص بأنه الخالق الملك المالك، لأن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب نصب الشرائع، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الحق والمقصود من جمعهم تعريفهم الملك وبما يرضيه، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة بالقصد الأول، ولن يكون ذلك إلا بما ذكر علما وعملا، ولما كان المقصود من جمعهم على الله تعالى معرفته لأجل عباداته وكان التزام اسمه تعالى في كل حركة وسكون قائدا إلى مراقبته وداعيا إلى مخافته واعتقاد أن مصادر الأمور ومواردها منه وإليه شرعت التسمية أول كل شيء فصدرت بها الفاتحة.. وعن علاقة الفاتحة بالسورة التي قبلها وهي سورة الناس قال البقاعي كلاما مفاده إنه يجب على من يتلو القرآن أن يجتهد في تصفية سره وجمع متفرق أمره، لينال سؤله ومراده مما أودعه الله في القرآن من خزائن السعادة ويتم ذلك بالإعراض عن العدو الحسود وإقباله على الولي الودود، ومن هنا تعرف مناسبة المعوذتين بالفاتحة حيث يقول الله في سورة الناس «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6).فهنا أستعيذ بالله وألتجأ إليه من شر الوسواس الخناس والذين ينقسمون إلى قسمين أحدهما الجن والآخر الإنس.

أصل الوسواس
يقول الشيخ سيد طنطاوي رحمه الله في تفسيره الوسيط والوسواس : اسم للوسوسة وهى الصوت الخفي، و «الخناس» صيغة مبالغة من الخنوس ، وهو الرجوع والتأخر، والمراد به : الذى يلقى في نفس الإِنسان أحاديث السوء . وقدم – سبحانه – الجِنَّة على الناس، لأنهم هم أصل الوسواس، إذ أنهم مختفون عنا، ولا نراهم، كما قال – تعالى – :»إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ» فلفظ الجِنَّة – بكسر الجيم – مأخوذ من الجَنِّ – بفتح الجيم – على معنى الخفاء والاستتار.فإذا أعاذني ربي وسيعيذني فعندها يكون قد رحمني ومن هنا تبدأ بسملة الفاتحة والتي ذكرت اسمين من أسماء الجمال وهما الرحمن الرحيم.
وقال صاحب «الأساس في التفسير»: اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات على حمد الله تعالى وتمجيده والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه والتبري من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية وتنزيهه من أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط المفضي بهم يوم القيامة إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذين كانوا محل القدوة، فاشتملت السورة على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكون الإنسان مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل لئلا يحشر الإنسان مع سالكيها يوم القيامة.

أول القرآن
يقول الصابوني في صفوة التفاسير سميت «الفاتحة» لافتتاح الكتاب العزيز بها حيث إنها أول القرآن في الترتيب لا في النزول، وهي – على قصرها وإيجازها – قد حوت معاني القرآن العظيم، واشتملت على مقاصده الأساسية بالإجمال، فهي تتناول أصول الدين وفروعه، تتناول العقيدة، والعبادة، والتشريع، والاعتقاد باليوم الآخر، والإيمان بصفات الله الحسنى، وإفراده بالعبادة والاستعانة والدعاء، والتوجه إليه جلَّ وعلا بطلب الهداية إلى الدين الحق والصراط المستقيم، والتضرع إليه بالتثبيت على الإيمان ونهج سبيل الصالحين، وتجنب طريق المغضوب عليهم والضالين، وفيها الإخبار عن قصص الأمم السابقين، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء، وفيها التعبد بأمر الله سبحانه ونهيه، إلى غير ما هنالك من مقاصد وأغراض وأهداف، فهي كالأم بالنسبة لبقية السور الكريمة ولهذا تسمّى «أم الكتاب» لأنها جمعت مقاصده الأساسية.
و روى الإمام أحمد في المسند أن أبيَّ بن كعب «قرأ على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أم القرآن فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» والذي نفسي بيده ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وهي السبع المثاني والقرآن العظيمُ الذي أوتيتهُ.وفي صحيح البخاري أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لأبي سعيد بن المعلَّى: لأعلمنَّك سورة هي أعظم السور في القرآن: الحمد لله رب العالمين، هي السبعُ المثاني والقُرآن العظيم الذي أوتيتُه.
وأقول أنه إذا ختمت الفاتحة بطلب الهداية فقد ختمت سورة البقرة بالإيمان الموصل للهداية.. فسبحان منزل الكتاب.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

20 + 2 =