سورة الفرقان… تُفرِّق بين الحق والباطل نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن (20)

0

إعداد- حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب؟ وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه؟ نتعرف على كل هذا فنزداد فهماً وتمسكاً بكتاب ربنا.

والكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة “الفرقان” والتي تأتي تالية لسورة النور.
يقول الصابوني في تفسيره “صفوة التفاسير” :ابتدأت السورة الكريمة بالحديث عن القرآن الذي تفنن المشركون بالطعن فيه، والتكذيب بآياته ، فتارة زعموا أنه أساطير الأولين، وأخرى زعموا أنه من اختلاق محمد أعانه عليه بعض أهل الكتاب، وثالثة زعموا أنه سحر مبين، فرد الله تعالى عليهم هذه المزاعم الكاذبة، والأوهام الباطلة، وأقام الأدلة والبراهين على أنه تنزيل رب العالمين، ثم تحدثت عن موضوع الرسالة التي طالما خاض فيها المشركون المعاندون، واقترحوا أن يكون الرسول ملكاً لا بشرا ، وأن تكون الرسالة – على فرض تسليم الرسول من البشر – خاصة بذوي الجاه والثراء، فتكون لإنسان غني عظيم، لا لفقير يتيم، وقد رد الله تعالى شبهتهم بالبرهان القاطع، والحجة الدامغة، التي تقصم ظهر الباطل.
ثم ذكرت الآيات فريقاً من المشركين عرفوا الحق وأقروا به، ثم انتكسوا إلى جحيم الضلال، وذكرت منهم “عقبة بن أبي معيط ” الذي أسلم ثم ارتد عن الدين بسبب صديقه الشقي “أُبي بن خلف” وقد سماه القرآن الكريم بالظالم “وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27)” وسمى صديقه بالشيطان.وفي ثنايا السورة الكريمة جاء ذكر بعض الأنبياء إجمالاً وجاء الحديث عن أقوامهم المكذبين، وما حل بهم من النكال والدمار، نتيجة لطغيانهم وتكذيبهم لرسل الله، كقوم نوح، وعاد، وثمود، وأصحاب الرس، وقوم لوط، وغيرهم من الكافرين الجاحدين، كما تحدثت السورة عن دلائل قدرة الله ووحدانيته، وعن عجائب صنعه وآثار خلقه في هذا الكون البديع، الذي هو من آثار قدرة الله، وشاهد من شواهد العظمة والجلال.وختمت السورة ببيان صفات عباد الرحمن، وما أكرمهم الله به من الأخلاق الحميدة، التي استحقوا بها الأجر العظيم في جنات النعيم.

الرد على المشركين
وقال أبو زهرة في “زهرة التفاسير”:سميت سورة الفرقان؛ لأنها ابتدأت بذكر تنزيل القرآن على عبده، فقال تعالى: “تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا”، ووصف ذاته العلية بأنه الذي له ملك السماوات والأرض، ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً، ثم ذكر شرك المشركين الذين اتخذوا مع اللَّه آلهة لا يَخْلُقون، وهم يُخْلَقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً، وأنكروا القرآن الكريم مع عجزهم عن أن يأتوا بمثله، وقالوا: “إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.ورد اللَّه سبحانه وتعالى بقوله: “قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا”.
ويقول الشعراوي في تفسيره تدور سورة الفرقان حول معَانٍ ثلاثة: تعالى قَدْره، وتنزَّه عن مشابهة ما سواه، وعَظُم خَيْره وعطاؤه، ومَنْ تعاظُم خَيْره سبحانه أنه لا مثيل له: في قَدْره، ولا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في فعله. وهذا كله من مصلحتنا نحن، فلا كبيرَ إلا الله، ولا جبارَ إلا الله، ولا غنيَّ إلا الله. وسُمِّي القرآن فرقاناً؛ لأنه يُفرِّق بين الحق والباطل، وقد نزل القرآن ليُخرج الناسَ من الظلمات إلى النور، فيسير الناس على هُدىً وعلى بصيرة، فالقرآن إذن فَرَق لهم مواضع الخير عن مواضع العطب، فالفرقان سائر في كل جهات الدين، ففي الدين قمة هي الحق تبارك وتعالى ومُبلِّغ عن القمة هو الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ومُرْسَل إليه هم المؤمنون، فجاء القرآن ليفرُقَ بين الحق والباطل في هذه الثلاثة.
أما عن تناسب سورة الفرقان مع سورة النور فيقول محمد الأمين في تفسير “حدائق الروح والريحان..” مناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها، أنه لما ذكر وجوب مبايعة المؤمنين للرسول، وأنهم إذا كانوا معه في أمر مهم، توقف انفصال واحد منهم على إذنه، وحذر من يخالف أمره، وذكر أن له ملك السماوات والأرض، وأنه تعالى عالم بما هم عليه، ومجازيهم على ذلك، فكان ذلك غاية في التحذير والإنذار. ناسب أن يفتتح هذه السورة بأنه تعالى، منزه في صفاته عن النقائص، كثير الخير. ومن خيره أنه نزل الفرقان على رسوله منذرًا لهم، فكان في ذلك إطماع في خيره، وتحذير من عقابه.

سراج منير
يقول المراغي في تفسيره:ومناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه: أنه سبحانه اختتم سورة النور بكونه مالكًا لما في السماوات والأرض، مصرفًا له على ما تقتضيه الحكمة البالغة، والمصلحة العامة مع النظام البديع، والوضع الأنيق وأنه سيحاسب عباده يوم القيامة على ما قدموا من العمل خيرًا كان أو شرًا. وافتتح هذه بما يدل على تعاليه في ذاته وصفاته، وأفعاله، وعلى حبه لخير عباده بإنزال القرآن لهم هاديًا، وسراجًا، منيرًا.
كما اختتم السورة السالفة، بوجوب متابعة المؤمنين للرسول – صلى الله عليه وسلم – مع مدحهم على ذلك، وتحذيرهم من مخالفة أمره خوف الفتنة، والعذاب الأليم، وافتتح هذه بمدح الرسول، وإنزال الكتاب عليه، لإرشادهم إلى سبيل الرشاد وذم الجاحدين لنبوته، بقولهم: إنه رجل مسحور، وإنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق إلى آخر ما قالوا..في كل من السورتين وصف السحاب، وإنزال الأمطار، وإحياء الأرض الجزر. فقال في السالفة: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا” إلخ. وقال في هذه: “وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا” إلخ. ذكر في كل منهما، وصف أعمال الكافرين يوم القيامة، وأنها لا تجزيهم فتيلًا ولا قطميرًا، فقال في الأولى: “وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ” إلخ. وقال في هذه: “وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) “.كما جاء وصف النشأة الأولى للإنسان في السورتين فقال في الأولى: “وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ”. وفي الثانية: “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا”. وليست نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن مقتصرة على ارتباط سورة الفرقان بما قبلها وإنما هناك نفحات في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة الشعراء وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله. فسبحان من أنزل الكتاب

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

ثلاثة × 4 =