“سورة القصص”…حكاية الصراع بين جُند الرحمن وجُند الشيطان نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن (23)

0

إعداد- حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين أيدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب؟ وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه؟ نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

الكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة “القصص” والتي تأتي تالية لسورة النمل..
وعن سبب تسميتها بسورة القصص يقول الصابوني في تفسيره ” صفوة التفاسير” :سورة القصص من السور المكية التي تهتم بجانب العقيدة وهي تتفق في منهجها وهدفها مع سورتي (النمل، والشعراء) كما اتفقت في جو النزول، فهي تكمل أو تفصل ما أجمل في السورتين قبلها.
ومحور السورة الكريمة يدور حول فكرة (الحق) و(الباطل) ومنطق الإذعان والطغيان، وتصور قصة الصراع بين جند الرحمن، وجند الشيطان، وقد ساقت في سبيل ذلك قصتين : أولاهما قصة الطغيان بالحكم والسلطان، ممثلة في قصة ” فرعون” الطاغية المتجبر، الذي أذاق بني إسرائيل سوء العذاب، فذبح الأبناء، واستحيا النساء، وتكبر على الله حتى تجرأ على ادعاء الربوبية والثانية : قصة الاستعلاء والطغيان بالثروة والمال ممثلة في قارون مع قومه، وكلا القصتين رمز إلى طغيان الإنسان في هذه الحياة، سواء بالمال، أو الجاه، أو السلطان.
وابتدأت السورة بالحديث عن طغيان فرعون، وعلوه وفساده في الأرض، وما كان من أمر موسى مع فرعون بالتفصيل إلى أن أغرقه الله في البحر، وتحدثت عن كفار مكة، ووقوفهم في وجه الرسالة المحمدية، وبينت أن مسلك أهل الضلال واحد، ثم انتقلت إلى الحديث عن قصة قارون، وبينت الفارق العظيم بين منطق الإيمان، ومنطق الطغيان وختمت السورة الكريمة بالإرشاد إلى طريق السعادة، وهو طريق الإيمان الذي دعا إليه الرسل الكرام وسميت سورة ” القصص” لأن الله تعالى ذكر فيها قصة موسى مفصلة موضحة، من حين ولادته إلى حين رسالته، وفيها من غرائب الأحداث العجيبة ما يتجلى فيه بوضوح، عناية الله بأوليائه، وخذلانه لأعدائه.

معجزات الرسول
وأما عن تناسب وترابط سورة القصص مع سورة النمل فيقول صاحب تفسير البحر المحيط : ومناسبة أول هذه السورة لآخر السورة قبلها أنه أمره تعالى بحمده، ثم قال: “سَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ”.وكان مما فسر به آياته تعالى معجزات الرسول، وأنه أضافها تعالى إليه، إذ كان هو المخبر بها على قدمه فقال: “تِلْكَ ءَايَاتُ الْكِتَابِ”، إذ كان الكتاب هو أعظم المعجزات وأكبر الآيات البينات.ويذكر المراغي رحمه الله في تفسيره عن التناسب بين هاتين السورتين فيقول: ووجه مناسبتها لما قبلها أمور: إنه سبحانه بسط في هذه السورة ما أوجز في السورتين قبلها من قصص موسى عليه السلام وفصّل ما أجمله هناك، فشرح تربية فرعون لموسى وذبح أبناء بني إسرائيل الذي أوجب إلقاء موسى حين ولادته في اليمّ خوفا عليه من الذبح، ثم ذكر قتله القبطي، ثم فراره إلى مدين وما وقع له مع شعيب من زواجه ببنته، ثم مناجاته لربه.
كما أنه أجمل في السورة السالفة توبيخ المشركين بالسؤال عن يوم القيامة وبسطه هنا أتم البسط..إنه فصل هناك أحوال بعض المهلكين من قوم صالح وقوم لوط، وأجمله هنا في قوله: “وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ”..بسط هناك حال من جاء بالحسنة وحال من جاء بالسيئة، وأوجز ذلك هنا، وهكذا من المناسبات التي تظهر بالتأمل حين قراءة السورتين.
ويكمل صاحب كتاب “البرهان في تناسب سور القرآن”:لما تضمن قوله سبحانه: “إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) النمل” إلى آخر السورة من التخويف والترهيب والإنذار والتهديد ما انجر معه الإشعار بأنه عليه السلام سيملك مكة ويفتحها تعالى عليه، ويذل عتاة قريش ومتمرديهم، ويعز أتباع رسوله عليه السلام ومن استضعفته قريش من المؤمنين، أتبع سبحانه ذلك بما قصه على نبيه من نظير ما أشار إليه في قصة بني إسرائيل وابتداء امتحانهم بفرعون واستيلائه عليهم وفتكه بهم إلى أن أعزهم الله وأظهرهم على عدوهم وأورثهم أرضهم وديارهم. ولهذا أشار تعالى في كلا القصتين بقوله في الأولى: “سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ” وبقوله في الثانية: “وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ “القصص.ثم قص ابتداء أمر فرعون واستعصامه بقتل ذكور الأولاد، ثم لم يغن ذلك عنه من قدر الله شيئا، ففي حاله عبرة لمن وفق للاعتبار، ودليل أنه سبحانه أنه المنفرد بملكه يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء لا ينازعه نازع ولا يمنعه عما يشاء مانع وقد أفصح قوله تعالى: ” وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) القصص” بما أشار إليه مجملا ما أوضحنا اتصاله من خاتمة النمل وفاتحة القصص.

أمر موسى
وقال صاحب “الاساس في التفسير”:ووجه مناسبتها لما قبلها اشتمالها على شرح بعض ما أجمل فيه من أمر موسى عليه السلام. قال الجلال السيوطي: إنه سبحانه لما حكى في الشعراء قول فرعون لموسى عليه السلام: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ* وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ إلى قول موسى عليه السلام فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ. ثم حكى سبحانه في (طس) قول موسى عليه السلام لأهله إِنِّي آنَسْتُ ناراً إلى آخره الذي هو في الوقوع بعد الفرار، وكان الأمران على سبيل الإشارة والإجمال، فبسط جل وعلا في هذه السورة ما أوجزه سبحانه في السورتين، وفصل تعالى شأنه ما أجمله فيهما على حسب ترتيبهما، فبدأ عزّ وجل بشرح تربية فرعون له مصدرا بسبب ذلك من علو فرعون، وذبح أبناء بني إسرائيل الموجب لإلقاء موسى عليه السلام عند ولادته في اليم خوفا عليه من الذبح، وبسط القصة في تربيته، وما وقع فيها إلى كبره، إلى السبب الذي من أجله قتل القبطي، إلى قتل القبطي وهي الفعلة التي فعل، إلى المن عليه بذلك الموجب لفراره إلى مدين، إلى آخر القصة، فكانت هذه السورة شارحة لما أجمل في السورتين معا على الترتيب، وبذلك عرف وجه الحكمة من تقديم (طس) على هذه، وتأخيرها عن الشعراء في الذكر في المصحف.
وليست نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن مقتصرة على ارتباط سورة القصص بما قبلها وإنما هناك نفحات في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة العنكبوت وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله. فسبحان من أنزل الكتاب.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

19 − سبعة =