سورة المؤمنون… بشارة المؤمنين بالفلاح والخلود في الفردوس نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن 18

0 7

إعداد- حمادة السعيد:
القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب؟ وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه؟ نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

الكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة ـ وهي سورة “المؤمنون” والتي تأتي تالية لسورة للحج وهي من السور العظيمة المباركة..وقد بدأَت هذه السورة ببشارة المؤمنين بالفلاح والخلود في الفردوس، إِذا خشعوا في صلاتهم وحافظوا عليها، وأَعرضوا عن اللغو وأَدوا الزكاة، وحفظوا فروجهم من الفاحشة، وراعوا الأَمانة والعهد.
وعقبت هذه البشرى ببيان منشأ الإِنسان ومآله، وأَنه سبحانه خلق من فوقنا سبع سموات طباقا، وأَنه لا يغفل عن خلقه طرفة عين، ولهذا أَنزل من السحاب ماءً أجراه في مجارى فوق سطح الأَرض، وأَسكن بعضه في جوفها، ليستخرجه الناس وقت الحاجة إليه، وأنه أنشأَ لنا بهذا الماء الزروع والثمار لنأْكل ونتعيش منها، وخلق لنا الأَنعام وجعلها عبرة لنا، فمن بطونها نشرب اللبن، ومن لحومها نأكل، وبمنافعها الكثيرة ننتفع، وعلى الإِبل منها نحمل ثقال الأَحمال، كما نحمل على السفن. وذكرت قصص بعص الانبياء وبينت أن الله تعالى جعل ابن مريم وأمه آية، لأَنه ولد منها دون أَب، وأنه تعالى آواهما إِلى ربوة ذات قرار ومعين، وأنه شرع للرسل وأممهم أَن يأْكلوا من الطيبات، ويتركوا ما حرمه الله عليهم، وأَن جميع الأُمم أمة وديانة واحدة هي توحيد الله، وأصول الشرائع والأحكام وإِن اختلفت في الفروع.

أصول الدين
يقول الصابوني في تفسيره “صفوة التفاسير”: سورة “المؤمنون” من السور المكية التي تعالج أصول الدين من (التوحيد والرسالة، والبعث ) سميت بهذا الاسم الجليل “المؤمنون” تخليدا لهم وإشادةً بمآثرهم وفضائلهم الكريمة، التي استحقوا بها ميراث الفردوس الأعلى في جنات النعيم.. وقد عرضت السورة الكريمة لدلائل القدرة والوحدانية، مصورة في هذا الكون العجيب، في (الإنسان، والحيوان، والنبات، ثم في خلق السموات البديعة ذات الطرائق، وفي الآيات الكونية المنبثة فيما يشاهده الناس في العالم المنظور، من أنواع النخيل والأعناب، والزيتون والرمان، والفواكه والثمار، والسفن الكبيرة التي تمخر عباب البحار ـ أي تسير فيه بقوة دفع الماء ـ وغير ذلك من الآيات الكونية الدالة على وجود الله جل وعلا.
كما عرضت السورة لقصص بعض الأنبياء، تسلية لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، عما يلقاه من أذى المشركين، فذكرت قصة نوح، ثم قصة هود، ثم قصة موسى، ثم قصة مريم البتول وولدها عيسى، ثم عرضت لكفار مكة وعنادهم ومكابرتهم للحق بعدما سطع سطوع الشمس في رابعة النهار، وأقامت الحجج والبراهين على البعث والنشور، وهو المحور الذي تدور عليه السورة، وأهم ما يجادل فيه المبطلون، فقصمت ببيانها الساطع ظهر الباطل.. وتحدثت السورة عن الأهوال والشدائد التي يلقاها الكفار وقت الاحتضار، وهم في سكرات الموت، وقد تمنوا العودة إلى الدنيا ليتداركوا ما فاتهم من صالح العمل، ولكن هيهات فقد انتهى الأجل، وضاع الأمل..وخُتمت السورة بالحديث عن يوم القيامة حيث ينقسم الناس إلى فريقين: سعداء، وأشقياء، وينقطع الحسب والنسب، فلا ينفع إلا الإيمان والعمل الصالح، وسجلت المحاورة بين المَلِكِ الجبار، وبين أهل النار وهم يصطرخون فيها فلا يغاثون ولا يجابون!!.
وأما عن تناسب سورة المؤمنون مع سورة الحج فيقول العلامة محمد الأمين صاحب تفسير “حدائق الروح والريحان “: مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه:أنه تعالى ختم السورة السابقة بخطاب المؤمنين، وأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وفعل الخيرات، لعلهم يفلحون، وحقق فلاحهم في بدء هذه السورة. وأنه تكلم في كل من السورتين في النشأة الأولى، وجعل ذلك دليلًا على البعث والنشور.. كما أن في كل من السورتين قصصًا للأنبياء الماضين وأممهم، ذكرها الله عبرة للحاضرين والآتين. ولقد نصب في كل منهما أدلة على وجود الخالق ووحدانيته.

إسهاب في التفاصيل
ويقول السيوطي في كتابه ” أسرار ترتيب القرآن” عن تناسب السورتين” وجه اتصالها بسورة الحج: أنه لما ختمها بقوله: “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77)” الحج وكان ذلك مجملاً، فصَّله في فاتحة هذه السورة، فذكر خصال الخير التي من فعلها فقد أفلح، فقال: “قد أَفلحَ المؤمنون الذينَ هُم في صلاتِهِم خاشعون” ولما ذكر أول الحج قوله:”يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)” زاده هنا بيانا في قوله: “ولقد خَلقنا الإِنسانَ مِن سُلالةٍ مِن طين ثُم جعلناهُ نطفةً في قرارٍ مكين”المؤمنون فكل جملة أوجِزَت هناك في القصد أطنب فيها هنا أي كان الحديث فيها في سورة المؤمنون بتفصيل.
وأما أحمد بن إبراهيم الغرناطي صاحب البرهان في تناسب سور القرآن فيقول عن التناسب بين هاتين السورتين :”فُصِّل في افتتاح ما أجمل في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) الحج ،وأعلم بما ينبغي للراكع والساجد التزامه من الخشوع، ولالتحام الكلامين أورد الأول أمرا والثاني مدحا وتعريفا بما به كمال الحال، وكأنه لما أمر المؤمنين وأطمع بالفلاح جزاء لامتثاله كان مظنة لسؤاله عن تفضيل ما أمر به من العبادة وفعل الخير الذى به يكمل فلاحه وكان صدر هذه السورة مفسرا لما أجمل في الآيات قبلها، فكذا الآيات مفصلة لمجمل ما تقدم في قوله تعالى: “يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)” الحج وهذا كاف في التحام السورتين.
وليست نفحات الرحمن أسرار وبلاغة القرآن مقتصرة على ارتباط سورة المؤمنون بما قبلها وإنما هناك نفحات وأسرار في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة النور وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله. فسبحان من أنزل الكتاب.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.