“سورة النساء”… إنصاف للمرأة والأيتام نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن 4

0 5

إعداد- حمادة السعيد:
القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب، وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه، نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

والكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة النساء وموقعها بعد سورة آل عمران.
وحول تسمية السورة بهذا الاسم يقول صاحب تفسير “حدائق الروح والريحان” محمد الأمين: سميت سورة النساء لكثرة ما ورد فيها من الأحكام التي تتعلق بهن، بدرجة لم توجد في غيرها من السور، ولذلك أطلق عليها سورةُ النساء الكبرى في مقابلة سورة النساء الصغرى التي عرفت في المصحف بسورة الطلاق. وقد اشتملت على ذكر حقوق النساءِ والأيتام، وخصوصاً اليتيمات اللاتي في حجور الأولياء، والأوصياء، فقررت حقوقَهن في الميراث، والكسب، والزواج، واستنقذتهن من أسر الجاهلية، وتقاليدها الظالمة المهينة. وتعرضت لموضوع المرأة فصانت كرامتَها، وحفظت كيانها، ودعت إلى إنصافها بإعطائها، حقوقها التي فرضها الله تعالى لها كالمهر، والميراث وإحسان العشرة. كما تعرضت لأحكام المواريث على الوَجْهِ الدقيق العادلِ الذي يكفل العدالةَ، ويحقق المساواة، وأفصحت عن المحرمات من النساء بالنسب، والرضاع، والمصاهرة. وكذلك اشتملت على تنظيم العلاقات الزوجية، وبينت أنها ليست علاقةَ جسد، وإنما هي علاقة إنسانية، وأن المهر ليس أجرًا ولا ثمنًا، وإنما هو عطاء يوثق المحبةَ، ويديم العشرةَ وبربط القلوبَ.
وذكرت كذلك حق الزوج على زوجته، وحق الزوجة على زوجها، وأرشدَتْ إلى الخطوات التي ينبغي أن يسلكها الرجل لإصلاح الحياة الزوجية عندما يبدأ الشقاقُ، والخلاف بين الزوجين، وبينت معنى قوامة الرجل، وأنها ليست قوامةَ استعباد، وتسخير، وإنما هي قوامة نصح، وتأديب التي تكون بين الراعي ورعيته.
ثم انتقلت سورة النساء من دائرة الأسرة إلى دائرة المجتمع، فأمرت بالإحسان في كل شيء، وبينت أن أساس الإحسان التكافل، والتراحم والتناصح، والتسامح، والأمانة، والعدل حتى يكون المجتمع راسخَ البنيان قوي الأركان، ومن الإصلاح الداخلي انتقلت الآيات إلى الاستعداد للأمن الخارجيّ الذي يحفظ على الأمة استقرارها، وهدوءها، فأمرت بأخذ العدة لمكافحة الأعداء.
عن تناسب سورة النساء مع سورة آل عمران فيقول السيوطي في “أسرار ترتيب القرآن”: لما قال الله تعالى في آل عمران آية 14: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ” فصل هذه الأشياء في السورة التي بعدها على نسق ما وقعت في الآية، ليعلم ما أحل الله من ذلك فيقتصر عليه، وما حرم فلا يتعدى إليه، لميل النفس إليه فقد جاء في هذه السورة أحكام النساء، ومباحاتها، للابتداء بها في الآية السابقة في آل عمران.
ويضيف السيوطي أن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى، وافتتحت سورة النساء به وهذا من أكبر وجوه المناسبات في ترتيب السور، وهو نوع من البديع يسمى: تشابه الأطراف ومنها أن سورة آل عمران ذكر فيها قصة أحد مستوفاة، وذكر في هذه السورة ذيلها، وهو قوله: “فما لكُم في المنافقين فئتين” فإنها نزلت لما اختلف الصحابة فيمن رجع من المنافقين من غزوة أحد، كما في الحديث ومنها: أن في آل عمران ذكرت الغزوة التي بعد أحد بقوله: “الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أَصابهُم القرح” وأشير إليها هنا بقوله: “ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإِنَهُم يأَلمونَ كما تأَلمونَ” وبهذين الوجهين عرف أن تأخير النساء عن آل عمران أنسب من تقديمها عليها، لأن المذكور هنا ذيل ما في آل عمران، ولاحقه وتابعه، فكانت بالتأخير أنسب فسبحان منزل الكتاب.
وقال أبو حيان: مناسبة هذه السورة لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر أحوال المشركين، والمنافقين، وأهل الكتاب، والمؤمنين أولي الألباب، ونبه تعالى بقوله: “أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ” على المجازاة، وأخبر أن بعضهم من بعض في أصل التوالد، نبه تعالى في أول هذه السورة على إيجاد الأصل، وتفرع العالم الإنساني منه ليحث على التوافق، والتوادد، والتعاطف، وعدم الاختلاف، ولينبه بذلك على أن أصل الجنس الإنساني، كان عابدًا لله مفردَه بالتوحيدَ والتقوى، طائعًا له، فكذلك ينبغي أن تكون فروعه التي نشأت منه، فنادى تعالى دعاءً عامًّا للناس، وأمرهم بالتقوى التي هي ملاك الأمر، وجعل سببًا للتقوى تذكاره تعالى إياهم بأنه أوجدهم، وأنشأهم من نفس واحدة، ومن كان قادرًا على مثل هذا الإيجاد الغريب الصنع، وإعدام هذه الأشكال، والنفع، والضر فهو جدير بأن يتقى.
ويقول الغرناطي في كتابه “البرهان في تناسب سور القرآن “عن تناسب السورتين – سورة النساء وآل عمران -: لما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، وأعقبت بسورة آل عمران لتضمنها – مع ما ذكر في صدرها أمر عيسى عليه السلام وأنه كمثل آدم علم الموقنون من ذلك أنه تعالى لو شاء لكانت سنة فيمن بعد آدم عليه السلام ولكنه أعلم سبحانه أن من عدا المذكورين عليهم السلام من ذرية آدم سبيلهم سبيل الأبوين فقال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً”.
وقال الطبري في تفسيره: لقد افتتحت سورة النساء بقوله”يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة..” احذروا أيها الناس ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم، وفيما نهاكم، فيحل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به. ثم وصف تعالى ذكره نفسه بأنه المتوحد بخلق جميع الأنام من شخص واحد، وعرف عباده كيف كان مبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة، ومنبههم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة، وأن بعضهم من بعض، وأن حق بعضهم على بعض واجب وجوب حق الأخ على أخيه؛ لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة، وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم حق بعض، وأن بعد التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم، مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب الأدنى، وعاطفا بذلك بعضهم على بعض، ليتناصفوا، ولا يتظالموا، وليبذل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف، على ما ألزمه الله له، فقال: “الذي خلقكم من نفس واحدة” يعني من آدم.
وليست نفحات الرحمن أسرار وبلاغة القرآن مقتصرة على ارتباط سورة النساء بما قبلها وإنما هناك نفحات وأسرار في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة المائدة وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله. فسبحان من أنزل الكتاب.”سورة النساء”… إنصاف للمرأة والأيتام

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.