«سورة النمل»اهتمت بالحديث عن أصول العقيدة والتوحيد نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن (22)

0 5

إعداد- حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب؟ وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه؟ نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

الكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة “النمل” والتي تأتي تالية لسورة الشعراء.
يقول الصابوني في تفسيره “صفوة التفاسير”:سورة النمل من السور المكية التي تهتم بالحديث عن أصول العقيدة ” التوحيد، والرسالة، والبعث ” وهي إحدى سور ثلاث نزلت متتالية، ووضعت في المصحف متتالية، وهي: (الشعراء، والنمل، والقصص) ويكاد يكون منهاجها واحدا، في سلوك مسلك العظة والعبرة، عن طريق قصص الغابرين.
وتناولت السورة الكريمة القرآن العظيم، معجزة محمد صلى الله عليه وسلم الكبرى، وحجته البالغة إلى يوم الدين، فوضحت أنه تنزيل من حكيم عليم، ثم تحدثت عن قصص الأنبياء بإيجاز في البعض وإسهاب في البعض، فذكرت بالإجمال قصة “موسى ” وقصة ” صالح ” وقصة ” لوط ” وما نال أقوامهم من العذاب والنكال، بسبب إعراضهم عن دعوة الله، وتكذيبهم لرسله الكرام، بدءا من قصة موسى عليه السلام، وتحدثت بالتفصيل عن قصة داود وولده سليمان وما أنعم الله عليهما من النعم الجليلة، وما خصهما به من الفضل الكبير، بالجمع بين النبوة والملك الواسع، ثم ذكرت قصة سليمان مع بلقيس ملكة سبأ.

مغزى دقيق
وفي هذه القصة مغزى دقيق لأصحاب الجاه والسلطان، والعظماء والملوك، فقد اتخذ سليمان الملك وسيلة للدعوة إلى الله، فلم يترك حاكما جائرا، ولا ملكا كافرا إلا دعاه إلى الله، وهكذا كان شأنه مع بلقيس حتى تركت عبادة الأوثان، وأتت مع جندها خاضعة مسلمة، مستجيبة لدعوة الرحمن وتناولت السورة الكريمة الدلائل والبراهين على وجود الله ووحدانيته ، من آثار مخلوقاته وبدائع صنعه، وساقت بعض الأهوال والمشاهد الرهيبة، التي يراها الناس يوم الحشر الأكبر، حيث يفزعون ويرهبون، وينقسمون إلى قسمين : (السعداء الأبرار) و(الكفار الفجار) الذين يكبون على وجوههم في النار، ووضحت أن القيامة هو يوم العدالة الإلهية، الذي يجزى فيه كل إنسان، على ما عمل في هذه الحياة الدنيا، من خير أو شر، جزاء عادلا يناسب عمله.
ويضيف الزحيلي في “التفسير المنير”:سميت سورة النمل لإيراد قصة وادي النمل فيها، ونصيحة نملة منها بقية النمل بدخول جحورهن، حتى لا يتعرضن للدهس من قبل جند سليمان عليه السلام دون قصد، ففهم سليمان الذي علمه الله منطق الطير والدواب كلامها، وتبسم ضاحكا من قولها، ودعا ربه أن يلهمه شكره على ما أنعم به عليه.
ويوضح الزحيلي أن هناك صلة بين هذه السورة بما قبلها من وجوه: أنها كالتتمة لها في بيان بقية قصص الأنبياء، وهي قصة داود وسليمان عليهما السلام.وأن فيها تفصيلا لما أجمل في سورة الشعراء من القصص النبوي، وهي قصة موسى في الآيات [7- 14] وقصة صالح في الآيات [45- 53] ولوط في الآيات [54- 58]. ونزلت هذه السور الثلاث (الشعراء، والنمل، والقصص) متتالية على هذا الترتيب، وذلك كاف في ترتيبها في المصحف على هذا النحو. وأوضح صاحب التفسير المنير أن سورة النمل أبانت معجزة النبي محمد صلّى الله عليه وسلم الخالدة، وهي تنزيل القرآن المجيد هدى ورحمة وبشرى للمؤمنين، ثم سردت وقائع مثيرة من قصص الأنبياء:موسى، وداود، وسليمان، وصالح، ولوط، عليهم السلام، تبين مدى ما تعرّض له موسى وصالح ولوط من أذى أقوامهم، وتكذيبهم برسالاتهم، وإنزال العقاب الأليم بهم، وتنبّه إلى ما أنعم الله به على داود وسليمان من النعم العظمى، بهبة النبوة والملك والسلطان، وتسخير الجن والإنس والطير، وإذعان الملكة بلقيس لدعوة سليمان. وفي هذا حكمة بالغة لأصحاب السلطة هي اتخاذ السلطان والنفوذ سبيلا للدعوة إلى الله جل جلاله. وختمت السورة بتصنيف الناس إلى سعداء أبرار، وأشقياء فجار، وجزاء كلّ بما يستحق خيرا أو شرا، وإعلام المشركين بوجوب عبادة الله وحده، والتخلي عن عبادة الأصنام والأوثان، والالتزام بمنهج القرآن ودستوره في الحياة لأنه نور وهداية، ومن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فعليها، وتعريفهم بآيات الله العظمى في وقت لا ينفعهم فيه شيء غير الإيمان بالله وحده، وتعرضهم للجزاء الحتمي عن جميع أعمالهم. ويضيف أبو حيان صاحب تفسير البحر المحيط قائلا: ومناسبة أول السورة لآخر ما قبلها واضحة، لأنه قال: “وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ”، وقبله: “وَإِنَّه لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ”، وقال هنا: “طس تِلْكَ ءَايَاتُ الْقُرْءَانِ”: أي الذي هو تنزيل رب العالمين.

تفاصيل لقصص الأنبياء
ويذكر المراغي رحمه الله في تفسيره عن التناسب بين هاتين السورتين فيقول: ومناسبتها ما قبلها من وجوه: إنها كالتتمة لها، إذ جاء فيها زيادة على ما تقدم من قصص الأنبياء قصص داود وسليمان..وإن فيها تفصيلا وبسطا لبعض القصص السالفة كقصص لوط وموسى عليهما السلام..وإن كلتيهما قد اشتمل على نعت القرآن وأنه منزل من عند الله.. كما فيها تسلية رسوله صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من أذى قومه وعنتهم، وإصرارهم على الكفر به، والإعراض عنه.
ويقول إبراهيم الغرناطي صاحب كتاب البرهان في تناسب سور القرآن: لما أوضح في سورة الشعراء عظيم رحمته بالكتاب وبيان ما تضمنه مما فضح به الأعداء أو رحم به الأولياء وبراءته من أن تتصور الشياطين عليه، وباهر آياته الداعية من اهتدى بها إليه، فتميز بعظيم آياته كونه فرقانا قاطعا ونورا ساطعا، أتبع ذلك سبحانه ذلك مدحه وثناء، وذكر من شملته رحمته به تخصيصا واعتناء فقال: ” تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ” أي الحاصل عنها مجموع تلك الأنوار آيات القرآن “وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) النمل” ثم وصفهم ليحصل للتابع قسطه من بركة التبع وليقوى رجاؤه في النجاة مما أشار إليه ثم أتبع ذلك بتسليته عليه السلام بالقصص الواقعة بعد، تنشيطا له وتعريفاً بعلو منصبه، واطلاعا له على عجيب صنعه تعالى فيمن تقدم، ثم ختمت السورة بذكر أهل القيامة وبعض ما بين يديها والإشارة إلى الجزاء ونجاة المؤمنين، وتهديد من تنكب عن سبيله عليه السلام.وليست نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن مقتصرة على ارتباط سورة النمل بما قبلها وإنما هناك نفحات في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة القصص وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله. فسبحان من أنزل الكتاب.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.