سورة طه… ما أعظم تأثيرها على الدعوة الإسلامية! نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن 15

0 14

إعداد- حمادة السعيد:
القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين أيدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب، وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه، نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

والكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة “طه” والتي تأتي تالية لسورة مريم.
وذكر محمد الكتاني في تفسيره وعبدالعزيز عبدالله في شرح تفسير ابن كثير: أن الله تبارك وتعالى افتتح سورة طه بخطاب نبيه صلى الله عليه وسلم أنه ما أنزل عليه القرآن ليشقى، ولكن تذكرة لمن يخشى، ثم ذكر سبحانه أنه لا إله إلا هو، وأنه مستوٍ على عرشه. وأن القرآن نزل من عند الله رحمة منه بعباده، فليس فيه شقاء ولا تعسير، بل هو يسر كله وخير كله، والله سبحانه له الملك الحقيقي، فله ملك السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى، وليس لأحد أن يدعي ملك شيء في السماوات أو في الأرض، وعلمه محيط بذلك كله، ولا يحيط الإنسان بشيء من علمه وأن له سبحانه الأسماء الحسنى.
والسؤال المطروح: هل لهذه السورة اسم آخر؟ وعن هذا السؤال تأتي إجابة الألوسي في تفسيره “روح المعاني” فيقول: سورة طه وتسمى أيضا سورة الكليم كما ذكر السخاوي في جمال القراء.

تبسيط
عن تناسب سورة طه مع سورة مريم فيكمل الألوسي قوله ذاكراً التناسب بين السورتين فيقول: “ووجه الترتيب أنه سبحانه لما ذكر في سورة مريم قصص عدة من الأنبياء عليهم السّلام وبعضها مبسوط كقصة زكريا ويحيى وعيسى عليهم السّلام وبعضها بين البسط والإيجاز كقصة إبراهيم عليه السّلام وبعضها موجز مجمل كقصة موسى عليه السّلام وأشار إلى بقية النبيين عليهم السّلام إجمالاً ذكر جل وعلا في هذه السورة شرح قصة موسى عليه السّلام التي أجملها تعالى هناك فاستوعبها سبحانه غاية الاستيعاب وبسطها تبارك وتعالى أبلغ بسط، ثم أشار عز شأنه إلى تفصيل قصة آدم عليه السّلام الذي وقع في مريم مجرد ذكر اسمه، ثم أورد جل جلاله في سورة الأنبياء بقية قصص من لم يذكر قصته في مريم كنوح ولوط وداود وسليمان وأيوب واليسع وذي الكفل وذي النون عليهم السّلام، وأشير فيها إلى قصة من ذكرت قصته إشارة وجيزة كموسى وهارون وإسماعيل. وذكرت تلو مريم لتكون السورتان كالمتقابلتين وبسطت فيها قصة إبراهيم عليه السّلام البسط التام فيما يتعلق به مع قومه ولم يذكر حاله مع أبيه إلا إشارة كما أنه في سورة مريم ذكر حاله مع قومه إشارة ومع أبيه مبسوطا، وينضم إلى ما ذكر اشتراك هذه السورة وسورة مريم في الافتتاح بالحروف المقطعة، وقد روي عن ابن عباس وجابر بن زيد رضي الله تعالى عنهم أن طه نزلت بعد سورة مريم. ووجه ربط أول هذه بآخر تلك أنه سبحانه ذكر هناك تيسير القرآن بلسان الرسول عليه الصلاة والسّلام معللا بتبشير المتقين وإنذار المعاندين وذكر تعالى هنا ما فيه نوع من تأكيد ذلك.

مناصب عالية
ويضيف أبو جعفر الغرناطي في كتابه “البرهان في تناسب سور القرآن”: لما ذكر سبحانه قصة إبراهيم وما منحه وأعطاه وقصص الأنبياء بعده بما خصهم به، وأعقب ذلك بقوله تعالى: “أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ” (مريم: 58) وكان ظاهر هذا الكلام تخصيص هؤلاء بهذه المناصب العالية والدرجات المنيفة الجليلة لاسيما وقد أتبع ذلك بقوله “فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا” (59) كان هذا مظنة إشفاق وخوف فأتبعه تعالى بملاطفة نبيه (محمد) – صلى الله عليه وسلم – ملاطفة المحبوب المقرب المجتبى فقال: “ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى”؛ وأيضا فقد ختمت سورة مريم بقوله تعالى: “وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)”،بعد قوله: “وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97)”، وقد رأى عليه السلام من تأخر قريش عن الإسلام ولدها ما أوجب إشفاقه وخوفه عليهم ولا شك أنه عليه السلام يحزنه تأخر إيمانهم ولذلك قيل له: فلا تحزن عليهم”. فكأنه، عليه الصلاة والسلام ظن أنه يستصعب المقصود من استجابتهم أو ينقطع الرجاء من إنابتهم فيطول العناء والمشقة فبشره سبحانه بقوله: “ما أنزلنا عليه القرآن لتشقى” فلا عليك من لدد هؤلاء ـ اللد: جمع الألد، وهو الشديد الخصومة ـ وتوقفهم فسيستجيب من انطوى على الخشية إذا ذُكر وحُرك إلى النظر في آيات الله كما قيل له في موضع آخر “فلا يحزنك قولهم ” (آية: يس 76) . ثم أتبع (سبحانه) ذلك تعريفا وتأنيسا بقوله: “الرحمن على العرش استوى” (آية: 5) إلى أول قصص موسى عليه السلام فأعلم سبحانه أن الكل خلقه وملكه وتحت قهره وقبضته لا يشذ شيء عن ملكه، فإذا شاء هداية لمن وفقه لم يصعب أمره، ثم أتبع ذلك بقصة موسى عليه السلام وما كان منه في إلقائه صغيراً في اليم، وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع وهلاك فرعون وظهور ـ أي انتصار ـ بني إسرائيل، وكل هذا مما يؤكد القصد المتقدم، وهذا الوجه الثاني أولى من الأول ولا يخفى على أحد أثر هذه السورة في الدعوة الإسلامية فقد كان لها تأثيرها البالغ على إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فبعدما سمعها وهو على كفره بعد أن طرقت هذه الكلمات – سورة طه – قلب عمر وبعد أن أسال الدم من أخته بعد ضربها ثم رق قلبه فطلب الصحيفة التي كانوا يقرأون منها قال أصحاب السير:”فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها، فلما قرأ منها صدراً قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع ذلك خباب رضي الله عنه خرج إليه فقال له: يا عمر! والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإني سمعته أمس وهو يقول: اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله يا عمر! فقال له عمر عند ذلك: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم.
وليست بلاغة القرآن الكريم ونفحات الرحمن مقتصرة على ارتباط سورة طه بما قبلها وإنما هناك نفحات في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة الأنبياء وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله تعالى.. فسبحان من أنزل الكتاب هدايةً ونوراً.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.