سورة مريم… بسطت فيها قصة مريم وابنها وأهلها نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن 14

0

إعداد- حمادة السعيد:
القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين أيدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب، وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه، نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

عن تناسب سورة مريم مع سورة الكهف فيقول السيوطي في كتابه «أسرار ترتيب القرآن»: ظهر لي في وجه مناسبتها لما قبلها: أن سورة الكهف اشتملت على أعاجيب عدة: قصة أصحاب الكهف، وطول لبثهم هذه المدة الطويلة بلا أكل ولا شرب، وقصة موسى مع الخضر، وما فيها من الخارقات، وقصة ذي القرنين، وهذه السورة فيها أعجوبتان: قصة ولادة يحيى بن زكريا، وقصة ولادة عيسى، فناسب تتاليهما. أي ناسب أن تأتي سورة مريم بعد سورة الكهف لما بينهما من تشابه وترابط في القصص.
ويقول أحمد الغرناطي صاحب كتاب «البرهان فى تناسب سور القرآن»:لما قال تعالى: «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9)» ثم أورد خبرهم وخبر الرجلين موسى والخضر (عليهما السلام) ، وقصة ذي القرنين، أتبع سبحانه ذلك بقصص تضمنت من العجائب ما هو أشد عجبا وأخفى سببا فافتتح سورة مريم بيحيى بن زكريا وبشارة زكريا به بعد الشيخوخة وقطع الرجاء وعقر الزوج حتى سأل زكريا مستفهما ومتعجبا «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)» فأجابه الله تعالى بأن ذلك عليه هين وأنه يجعل ذلك آية للناس، وأمر هذا أعجب من القصص المتقدمة فكأن قد قيل: أم حسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيمِ كانوا من آياتنا عجبا نحن نخبرك بخبرهم ونخبرك بما هو أعجب وأغرب وأوضح آية وهو قصة زكريا في ابنه يحيى عليهما السلام، وقصة عيسى (عليه السلام) في كينونته بغير أب ليعلم أن الأسباب في الحقيقة لا يتوقف عليها شيء من مسبباتها إلا بحسب سنة الله، وإنما الفعل له سبحانه لا لسبب ؛وإلى هذا أشار قوله تعالى لزكريا عليه السلام «قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)» (آية: 9) ثم أتبع سبحانه بشارة زكريا بيحيى بإتيانه الحكم صبيا ثم بذكر مريم وابنها عليهما السلام.
يذكر صاحب كتاب «البحر المحيط « تناسب سورة مريم مع سورة الكهف فيقول» هذه السورة مكية كالسورة التي قبلها. وقال مقاتل: إلاّ آية السجدة فهي مدنية نزلت بعد مهاجرة المؤمنين إلى الحبشة. ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى ضمن السورة قبلها قصصا عجبا كقصة أهل الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذي القرنين، وهذه السورة تضمنت قصصا عجبا من ولادة يحيى بين شيخ فان وعجوز عاقر، وولادة عيسى من غير أب، فلما اجتمعا في هذا الشيء المستغرب ناسب ذكر هذه السورة بعد تلك».
ويوجه محمد الأمين صاحب كتاب «تفسير حدائق الروح والريحان» القلوب إلى معنى آخر رابطا ختام سورة الكهف ببداية سورة مريم فيقول»وأما مناسبة أول هذه السورة لآخر السابقة، فلأنه سبحانه ذكر في آخر السابقة الرحمة في ضمن قوله: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ}؛ أي: يرجو رحمة ربه وثوابه يوم لقائه وعرضه عليه للمجازاة، وبدأ هذه السورة بقوله: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ} فذكر الرحمة في مصريم جاء صريحا.

لمحة بديعة
وللبقاعي لمحة بديعة في مدى التناسب بين السورتين فيقول في كتابه «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور»:»ولما كانت هذه السورة – سورة مريم – تالية للسورة الواصفة للكتاب – سورة الكهف – بالاستقامة البالغة، افتتحها بالأحرف المقطعة، كما افتتح السورة التي تلي أم الكتاب، الداعيةَ إلى الصراط المستقيم، الواصفةَ الكتابَ بالهدى الضامن للاستقامة» ثم يكمل بعد صفحات عديدة :ولما كان على اليهود الآمرين بالسؤال تعنتا عن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين أن ينصحوا العرب بالإعلام بأن دينهم باطل لشركهم، فلم يفعلوا فكانوا جديرين بالتبكيت، وكانت قصة زكريا أعظم في تبكيتهم بمباشرتهم لقتله وقتل ولده يحيى عليهما السلام، قدمها في الذكر، وتوطئة لأمر عيسى عليه السلام إلزاماً لهم بالاعتراف به.
ويحدثنا ابن هشام في سيرته في حديث طويل نقتطف هذا الجزء الذي يدل على الأثر البالغ لسورة مريم في حياة الدعوة الإسلامية فبعد أن تحدث النجاشي مع جعفر ابن أبي طالب قال له» هل معك مما جاء به عن الله شيء؟ فقال له جعفر: نعم! فقال له النجاشي: فاقرأه عليّ فقرأ عليه صدرا من كهيعص، فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكى أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم؛ ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، ثم ذكر تأمينه لهم ورد هدايا قريش ورسلهم خائبين.
وجاء في «التفسير الوسيط للقرآن الكريم» لمجموعة من العلماء:ووجه مناسبتها لسورة الكهف اشتمالها على نحو ما اشتملت عليه من الأَعاجيب، كقصة ولادة يحيي وقصة ولادة عيسى عليهما السلام. ولذلك ذكرت بعدها، وقد حوت طائفة كريمة من قصص الرسل وأَنباءِ الغيب.وافتتحها الله تعالى بقصة زكريا عليه السلام إذ دعا ربه أَن يَهَبَ له وليًّا يرثه في الدعوة إِليه والحفاظ على شريعته. فاستجاب له ربه وبشره بغلام سماه يحيي وآتاه الحكم صبيا. ولما تعجب زكريا من خلق الولد من أُم عاقر وأَب بلغ من الكبر عتيًّا – أَوحى إليه ربه أَن هذا الخَلْقَ «هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا» ثم ذكر تعالى قصة مريم عليها السلام وهي أَعجَب من قصة زكريا!! وفيها أَن جبريل عليه السلام تمثل لها بشرًا سويًّا. ففزعت واستعاذت بالرحمن منه. فطمأنها بأَنه رسول ربها ليهب لها غلامًا زكيًّا.
وليست بلاغة القرآن الكريم ونفحات الرحمن مقتصرة على ارتباط سورة مريم بما قبلها وإنما هناك نفحات في ارتباطها بالسورة التي تليها وهي سورة طه وهذا ما سنعرفه في الحلقة المقبلة إن شاء الله. فسبحان من أنزل الكتاب وجعل ترتيب سوره هدى ونور.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

2 × 4 =