سورة يوسف… أطول قصة في القرآن الكريم نفحات الرحمن في ترتيب سور القرآن (9)

0

إعداد- حمادة السعيد:

القرآن الكريم كلام الله المحكم، والمعجز لأهل الإعجاز، نزل على حسب المواقف والأحداث، ثم رتبت آياته وسوره، الترتيب الذي بين يدينا اليوم وكان لهذا الترتيب أسراره.
نتعرف من خلال كلماتنا على نفحات الرحمن وأسرار ترتيب سور القرآن، ولماذا رتب بهذا الترتيب، وما الحكمة الإلهية والمعاني الربانية منه، نتعرف على كل هذا فنزداد فهما وتمسكا بكتاب ربنا.

والكلام اليوم عن سورة من أعظم السور في القرآن – وسور القرآن كلها عظيمة – وهي سورة يوسف وتقع في ترتيب المصحف بعد سورة هود.وسورة يوسف من أعظم قصص القرآن وسميت بأحسن القصص.. يقول عبد الكريم الخطيب في”التفسير القرآني للقرآن” بدأت هذه السورة بما بدأت به السورتان يونس، وهود قبلها، وكما بدأت به السورتان إبراهيم والحجر بعدها، فلقد بدأت خمستها بهذه الأحرف الثلاثة: (ألف.. لام.. راء) ،هكذا:”الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ” .. (يونس)”الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ” .. (هود)”الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ”.. (يوسف)”الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ” (إبراهيم)”الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ” .. (الحجر)..ويلاحظ:أولا: ذكر الكتاب، أو آيات الكتاب بعد هذه الأحرف وهذا يشير إلى ما بين هذه الأحرف وهذا الكتاب، وآيات الكتاب، من صلات..وهذه الأحرف تشير إلى متشابه القرآن، وأن أوائل السور التي من هذا القبيل هي الآيات المتشابهات التي أشار إليها قوله تعالى:”مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ” سورة آل عمران وأن غيرها من آيات القرآن محكم ومفصل..
وثانيا: أنه إذا ذكر”الكتاب” لم يشر إليه، وأنه إذا ذكرت”آيات الكتاب” أشير إليها بحرف الإشارة”تلك” :سواء باعتباره كلّا لا يتجزأ، بحيث ينظر إليه من المبدأ إلى الختام، نظرة يلتقى فيها متشابهه مع محكمه، ومجمله مع مفصله، وقصصه مع أحكامه وآدابه.. أو باعتباره آيات تعرض أحداثا ومواقف، وتحدث عن أدلة وشواهد، وتكشف عن أسرار ومغيبات..
وثالثا: ذكر الكتاب، والتزام هذا الذكر بعد تلك الأحرف، تحريض على العلم، ودعوة إلى التعلم، وأن من شأن من يتعامل مع القرآن الكريم أن يكون من أهل العلم، الذي مارس الكتابة، ودرس الكتب..وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:”وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ” (43: العنكبوت).
ولا شك أن هذه اللفتة من القرآن الكريم، إلى قوم أميين، وأمة أمّية، تحمل في طياتها دعوة إلى هؤلاء الأميين أن يخرجوا من تلك الأمية، وأن ينزعوا عنهم لباس الجهل والجاهلية، وأن يأخذوا بأسباب الحضارة التي لا تقوم إلا على ركائز العلم والمعرفة!.
خرج بعد شدة
جاء في”البرهان في تناسب سور القرآن” لأحمد بن إبراهيم الغرناطي كلاما مفاده أن هذه السورة من جملة ما قص الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من أنباء الرسل وأخبار من تقدمه مما فيه التثبيت الممنوح في قوله تعالى:”وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك”،وإنما أفردت على حدتها ولم تنسق على قصص الرسل مع أممهم في سورة واحدة لمفارقة مضمونها تلك القصص، ولأن القصص السابقة تكلمت عن الرسل مع أقوامهم وكيف أن الله قد أهلك مكذبيهم، أما هذه القصة فحاصلها فرج بعد شدة، وتعريف بحسن عاقبة الصبر، فإنه تعالى امتحن يعقوب عليه السلام بفقد ابنيه وبصره وشتات بنيه، وامتحن يوسف عليه السلام بالجب والبيع وامرأة العزيز وفقد الأب والأخوة والسجن، ثم امتحن جميعهم بشمول الضرر وقلة ذات اليد”مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ” ثم تداركهم الله بإلفهم وجمعهم ورد بصر أبيهم وائتلاف قلوبهم ورفع ما نزغ به الشيطان، وخلاص يوسف عليه الصلاة والسلام من كيد من كاده واكتنافه بالعصمة وبراءته عند الملك، وكل ذلك مما أعقبه جيل الصبر، وجلالة اليقين في حسن تلقي الأقدار بالتفويض والتسليم على توالي الامتحان وطول المدة، ثم إثابة امرأة العزيز ورجوعها إلى الحق وشهادتها ليوسف عليه السلام بما منحه الله من النزاهة عن كل ما ينتقص منه، ثم استخلاص العزيز ليوسف وكذلك ما ذكر في القصة الجليلة من العجائب والعبر،”لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ”.
وفي سورة يوسف قصة نبي رُبى في غير قومه قبل النبوة وهو صغير السن حتى بلغ أشده واكتهل فنبىء وأرسل ودعا إلى دينه ثم تولى إدارة الملك لقطر عظيم فأحسن الإدارة والسياسة فيه وكان خير قدوة للناس في رسالته وفي جميع ما دخل فيه من أطوار الحياة وتصريف أمورها على أحسن ما يصل إليه العقل البشرى، ومن أعظم ذلك شأنه مع أبيه وإخوته آل بيت النبوة، وكان من حكمة الله أن يجمعها في سورة واحدة، ومن ثم كانت أطول قصة في القرآن الكريم
إنذار المشركين
وعن سر ارتباط سورة يوسف بما قبلها يقول السيوطي في”أسرار ترتيب القرآن”: وجه وضعها بعد سورة هود أن قوله في مطلعها: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ }”3″ مناسب لقوله في مقطع تلك: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ }”هود: 120″..وأيضًا فلما وقع في سورة هود: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}”هود: 71″، وقوله: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ}”هود: 73″. وذكر هنا حال يعقوب مع أولاده، وحال ولده الذي هو من أهل البيت مع إخوته، فكان كالشرح لإجمال ذلك..وكذلك قال في يوسف: {وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ }”6″ فكان ذلك كالمقترن بقوله في هود آية 73: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ }.وعن ابن عباس وجابر بن زيد في ترتيب النزول: أن يونس نزلت، ثم هود، ثم يوسف. وهذا وجه آخر من وجوه المناسبة في ترتيب هذه السور الثلاث؛ لترتيبها في النزول هكذا.
وجاء في تفسير المراغي :والمناسبة بين سورة يوسف وبين سورة هود أن يوسف متممة لما فيها من قصص الرسل والاستدلال بذلك على كون القرآن وحيا من عند الله دالا على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، والفرق بين القصص فيها وفيما قبلها، أن السابق كان قصص الرسل مع أقوامهم في تبليغ الدعوة والمحاجة فيها وعاقبة من آمن منهم ومن كذبوهم لإنذار مشركى مكة ومن تبعهم من العرب.
وأما مناسبة سورة يوسف لما بعدها وهي سورة الرعد أنه سبحانه أجمل في سورة يوسف الآيات السماوية والأرضية في قوله:”وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ” ثم فصلها أتم تفصيل في الرعد وكذلك أشار في سورة يوسف إلى أدلة التوحيد بقوله”أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ؟” ثم فصل الأدلة في الرعد بإسهاب لم يذكر في يوسف.فسبحان منزل الكتاب.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

خمسة × 5 =