سورية… إذا تركت النمور موقعها احتلته القرود واستباحت الأرض

0

ثمة في الأدبيات السياسية دلالات على ما يمكن أن يحصل في ظل غياب ستراتيجية واضحة لأي فعل ورد الفعل، ومنها إذا تركت النمور عرينها في الجبال حلت محلها القرود، أي أن الجبال تصبح مكانا للعبث حيث لا يمكن العيش في ظل نظام حياة طبيعي.
هذا ما ينطبق حاليا على الوضع السوري الذي يبدو معقدا الى ابعد الحدود، حيث لا حل في الافق، فلا المعارضة لديها ما تقدمه وتدعمه على الارض، ولا النظام سيقبل بالتنازل عما حققه، ولذلك يستمر العبث والموت المتنقل الى ما لانهاية اذا لم تبادر الدول المعنية الى حسم خياراتها، خصوصا تلك التي تحاول فرض شروطها على النظام وروسيا من خلال الاستمرار بدفع الميليشيات الموالية لها الى فتح جبهات جديدة، ولهذا فان القرود لن تحكم طالما أن النمور لم تغادر عرينها.
لم تعد تنفع في الموضوع السوري المواربة، ولا التخفي خلف الشعارات بعد سبع سنوات من حرب أهلية تورط فيها الجميع، بدءا من عصابات الارهاب وليس انتهاء عند القوى الكبرى التي يبحث بعضها عن مخرج له يحفظ فيه ماء الوجه، فيما البعض الاخر يتمسك بما حصل عليه من نفوذ ومصالح ما كان يمكنه تحصيلها ابدا لو لم يجر ادخال سورية نفق الحرب غير مدروسة الاهداف.
للاسف إن دولا عربية عدة رأت في ما سمي “الربيع العربي” فرصة لبسط نفوذها على دول اخرى، ولم تلحظ الترابط العضوي بينها كلها في ما يتعلق بالامن القومي، بمعنى انها مثل احجار الدومينو المتراصةاذا سقط احدها تهاوت جميعها، وهو ما كان يجب ادراكه حين تداعت الى دعم مشروع “الفوضى الخلاقة”، الذي اتضح في النهاية ان الجميع كانوا ادوات بدرجات مختلفة، ولم تدرك يومها انها ليست من النقاء الى حد يؤهلها لتأدية دور تغييري جذري في المنطقة، لان ما تعاني منه الدول المستهدفة توجه الاتهامات به إليها.
هذا ما حصل في ليبيا، المثال، الذي كان يجب ان يتوقف عنده الجميع قبل نقل تلك النيران الى سورية وغيرها، وكان عليها الا تقارن اوضاع الدول بالادنى منها، اي لا تقول ان الوضع في ليبيا ليس افضل من العراق، بل ان تقارن بالاعلى منها، مثل ان سويسرا افضل من العراق، بمعنى ان معمر القذافي لم يكن فاضلا في الحكم، لكن في الوقت نفسه لم تكن ليبيا مرتعا للعصابات الارهابية، وكل ما ولد من رحم “الاخوان”، كـ “داعش” و”انصار الشريعة” وغيرها وغيرها من تلك التي تحركها دول لا تخفي اطماعها فيها.
للأسف في ذاك الوقت انقسم العرب بين مؤيد للربيع العربي، بل داعم له، وكأنه بمنأى عنه، او معارض له، والبعض اتخذ النأي بالنفس شعارا، وطوال سبع سنوات حاولت قرود الارهاب الفوز بالحكم في الدول كافة متخذة من سورية وليبيا وتونس منطلقا لها، وفيما هناك نمور صمدت، فان اخرى دفعتها الدول العربية الداعمة للفوضى الى احضان حلفاء كإيران، وما تتبعها من عصابات ارهابية، لا تختلف شكلا ومضمونا عن “القاعدة” و”داعش” وغيرها من الميليشيات.
في ظل هذا الوضع وطوال سبع سنوات تعيش الشام واحدة من اكثر المآسي اللا إنسانية على الاطلاق، فيما ايضا لم يتعلم العرب الدرس العراقي عما يمكن ان تنتجه الفوضى، وهو كان ماثلا امامهم كل يوم، منذ العام 2003 عندما سمحوا للقوى العالمية ان تغزو العراق ، وتفكك الدولة، وتقدمها على طبق من جماجم الى ايران كي تبدأ منها مشروعها التوسعي القائم على المذهبية الشوفينية، المرفوضة من الشيعة العرب قبل السنة.
في سورية اتخذت الدول العربية من حادثة درعا في العام 2011 ذريعة للتدخل، خدمة لاطماعها، لكنها في الوقت نفسه لم تستمع لصوت العقل ان هناك قوى كبرى لها اطماع اكبر، وهي تدمير سورية، سواء كان الاسد حاكما، او غيره، سنياً كان الحاكم أو علويا، لتكون البوابة لتدمير السعودية ودول الخليج العربية ومصر، فيما اطماع بعض القوى الاقليمية والدولية واضحة، ولم تخفها عواصمها يوما، وهي التحكم اكثر بالدول العربية وسيادة القوة الاسرائيلية.
اليوم، لا احد انتصر في سورية، والعالم اصبح متفهما لموقف النظام اكثر من السابق، وشكل تحالفا للقضاء على العصابات الارهابية، واولها “داعش”، ولم يعد الحديث عن بقاء الرئيس الاسد في الحكم يسبب حرجا لا للولايات المتحدة، ولا فرنسا او بريطانيا والمانيا، بينما الجميع يعترف بمصلحة روسيا في بقائه.
ربما بات على العرب التخلي عن المكابرة والاعتراف بخسارة الحرب، والسير في الطريق الصحيح لانهاء المأساة، والمساعدة في عودة النازحين، بل عليهم أن يدركوا أن التدخل بشؤون الاخرين يفسح لهؤلاء في المجال كي يتدخلوا بشؤونهم، فالذين حزموا الركاب وأعدوا الجند لتلك الحرب عليهم، بعد سبع سنوات، الاعتراف انهم لم يستطيعوا إجبار النمور على الخروج من عرينها، وكانوا هم الاقرباء الذين طعنوا قريبهم، وليس”اصعب على الانسان من أن تأتيه الطعنة من قريب” كما يقول تشي غيفارا.
شجاعة اعلان الموقف مطلوبة اليوم، لا سيما بعدما بدأ السوريون يعلنون عدم قبولهم بالوجود الايراني، ويهللون لموقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وطلبه الصريح بخروج القوات الاجنبية كافة، وخصوصا الايرانية منها، وليس القانون السوري الجديد المعروف بالقانون رقم 10 الا الدليل على ذلك، وهو ما يساعد العرب ليقفوا الى جانب الشعب السوري الحي والمبدع على اعادة اعمار بلده، لان الاعتراف بالخطأ فضيلة، واعتقد ان الجرأة لا تنقصهم في ذلك اذا كانوا يريدون الا تستمر نيران الارهاب والفوضى والضعف في التهام دولهم واحدة بعد الاخرى.

أحمد عبد العزيز الجارالله

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

اثنان × 4 =