سُوءُ الظّنِّ عصمة حوارات

0 113

د. خالد عايد الجنفاوي

يشير مثل»سوء الظن عصمة» إلى الحذر، وأخذ الحيطة في الحياة الخاصة والعامة، ولا أعتقد أنّ يكون له علاقة مباشرة بتفضيل سوء الظن على حسن الظن، لكن وفقاً لما تمليه كثير من التجارب الانسانية» من حسن ظنه بالناس كثرت ندامته،» ووفق ما يُنسب لشيخنا الشافعي، فيقول رحمه الله:
»لَم يَبقَ في الناسِ إِلّا المَكرُ وَالمَلَقُ
شَوكٌ إِذا لَمَسوا زَهرٌ إِذا رَمَقوا
فَإِن دَعَتكَ ضَروراتٌ لِعِشرَتِهِم
فَكُن جَحيماً لَعَلَّ الشَوكَ يَحتَرِقُ».
وهي بشكل أو آخر كلمات خرجت من فم الشاعر بسبب تجاربه الشخصية، وسوء الظن سيكون عصمة لصاحبه، ولا سيما في تعامله مع من لا يعرفهم، أو من يقابلهم للمرة الاولى، وبخاصة عندما تتعلق هذه التعاملات باحتمال منح الثقة لأشخاص لا يعرف المرء بواطنهم، وبالطبع، لن يؤثر الحذر الشديد تجاه الآخرين على تعامل المرء معهم، فمن حق كل إنسان عاقل أن يأخذ حذره تجاه كل شخص، أو أمر لا يطمئن له. ليس من المفترض أن يشير هذا الحذر إلى الاساءة إلى الشخص الآخر، فسوء الظن في هذا السياق، هو بشكل أو آخر خطوات احترازية اختيارية يقوم بها المرء حماية لنفسه ولمصالحه. ربما سيجادل البعض بأن اختيار سوء الظن كسلوك احترازي تجاه الآخرين يؤدي إلى تشويه العلاقات الانسانية الطبيعية، لكن وفقا للمنطق، لا يمكن أن يضر سوء الظن كخطوة احترازية بالعلاقات الانسانية، وذلك لأن من يمارس هذا النوع من الحرص لا يمارس النميمة، أو يشوه سمعة الانسان الآخر، أو يحط من قدره لأنه لا يثق بهم، لكنه يختار بشكل حر أن يبقى حذراً تجاه من يتعامل معهم حتى يتبين له مدى استحقاق الانسان الآخر ثقته. بالإضافة إلى ما سبق، وووفق ما ستكشفه كثير من التجارب العامة، تكثر ندامة من يحسن الظن دائماً، وتقل حتماً ندامة من يحذر ويتحرص في تعامله مع الآخرين، وذلك لأنه لن يكون لديه شيء يمكن أن يندم عليه، وسوء الظن في سياق الحذر الطبيعي لا ينطوي اطلاقاً على شك قبيح، بل هو موقف عقلاني تماماً.

كاتب كويتي

@DrAljenfawi

You might also like