شجاعة أهل البادية حكايات عربية للعبرة والتسلية (3)

0 3

“أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر”.. هكذا كان رأي ابن خلدون في مقدمته، فهم دائما في حالة استنفار لتفردهم عن المجتمع، وتوحشهم في الضواحي، وبعدهم عن الحامية وانتباذهم الأسوار والأبواب، قائمون بالمدافعة عن أنفسهم، لا يكلونها إلى سواهم ولا يقضون فيها بغيرهم فهم دائما يحملون السلاح، ويتلفتون عن كل جانب في الطرق، يتجافون عن الهجوع إلا غراراً في المجالس، وعلى الرمال وفوق الأقتاب، ويتوجسون للنبات والهيعات، ويتفردون في القفر والبيداء، مدلين ببأسهم، واثقين بأنفسهم، قد صار لهم البأس خلقا والشجاعة سجية يرجعون إليها متى دعاهم داع، أو استنفرهم صارخ.
ومن أخبار الشجعان من أهل البادية ما حكاه الفضل بن يزيد، وذكره: شهاب الدين محمد بن أحمد بن منصور الأبشيهي، في كتابه “المستطرف في كل فن مستطرف” قال: نزل علينا بنو ثعلب في بعض السنين، وكنت شغوفا بأخبار العرب أن أسمعها وأجمعها، فبينما أنا أدور في بعض أحيائهم إذا أنا بامرأة واقفة في فناء خبائها، وهي آخذة بيد غلام قلما رأيت مثله في حسنه وجماله، له ذؤابتان كالسبج المنظوم، وهي تعاتبه بلسان رطب وكلام عذب تحن إليه الأسماع وترتاح له القلوب، وأكثر ما أسمع منها أي بني، وهو يبتسم في وجهها قد غلب عليه الحياء والخجل، كأنه جارية بكر لا يرد جوابا.
فاستحسنت ما رأيت، واستحليت ما سمعت، فدنوت منه وسلمت، فرد علي السلام، فوقفت أنظر إليها.
فقالت: يا حضري ما حاجتك؟ فقلت: الاستكثار مما أسمع والاستمتاع بما أرى من هذا الغلام.
فقالت يا حضري: إن شئت سقت إليك من خبره ما هو أحسن من منظره. فقلت: قد شئت يرحمك الله. فقالت: حملته والرزق عسر، والعيش نكد حملا خفيفا حتى مضت له تسعة أشهر، وشاء الله عز وجل أن أضعه، فوضعته خلقا سويا، فوربك ما هو إلا أن صار ثالث أبويه حتى أفضل الله عز وجل، وأعطى وأتى من الرزق بما كفى وأغنى، ثم أرضعته حولين كاملين، فلما استتم الرضاع نقلته من خرق المهد إلى فراش أبيه، فربي كأنه شبل أسد أقيه برد الشتاء، وحر الهجير، حتى إذا مضت له خمس سنين أسلمته إلى المؤدب، فحفظه القرآن، فتلاه، وعلمه الشعر فرواه، ورغب في مفاخر قومه وآبائه وأجداده، فلما أن بلغ الحلم واشتد عظمه وكمل خلقه حملته على عتاق الخيل فتفرس وتمرس ولبس السلاح ومشى بين بويتات الحي الخيلاء، فأخذ في قرى الضيف وإطعام الطعام، وأنا عليه وجلة أشفق عليه من العيون أن تصيبه، فاتفق أن نزلنا بمنهل من المناهل بين أحياء العرب، فخرج فتيان الحي في طلب ثأر لهم، وشاء الله تعالى أن أصابته وعكة شغلته عن الخروج، حتى إذا أمعن القوم، ولم يبق في الحي غيره، ونحن آمنون وادعون، ما هو إلا أن أدبر الليل وأسفر الصباح حتى طلعت علينا غرر الجياد وطلائع العدو، فما هو إلا هنيهة حتى أحرزوا الأموال دون أهلها، وهو يسألني عن الصوت، وأنا أستر عنه الخبر إشفاقا عليه وضنا به، حتى إذا علت الأصوات وبرزت المخدرات رمى دثاره وثار كما يثور الأسد، وأمر بإسراج فرسه، ولبس لأمة حربه، وأخذ رمحه بيده ولحق حماة القوم، فطعن أدناهم منه فرمى به، ولحق أبعدهم منه فقتله، فانصرفت وجوه الفرسان، فرأوه صبيا صغيرا لا مدد وراءه فحملوا عليه، فأقبل يؤم البيوت. ونحن ندعو الله عز وجل له بالسلامة، حتى إذا مدهم وراءه وامتدوا في أثره عطف عليهم، ففرق شملهم وشتت جمعهم، وقلل كثرتهم ومزقهم كل ممزق، ومرق كما يمرق السهم، وناداهم: خلوا عن المال، فو الله لا رجعت إلا به، أو لأهلكن دونه، فانصرفت إليه الأقران، وتمايلت نحوه الفرسان، وتميزت له الفتيان، وحملوا عليه وقد رفعوا إليه الأسنة، وعطفوا عليه بالأعنة، فوثب عليهم وهو يهدر كما يهدر الفحل من وراء الإبل، وجعل لا يحمل على ناحية إلا حطمها، ولا كتيبة إلا مزقها حتى لم يبق من القوم إلا من نجا به فرسه، ثم ساق المال، وأقبل به، فكبر القوم عند رؤيته، وفرح الناس بسلامته، فو الله ما رأينا قط يوما كان أسمح صباحا وأحسن رواحا من ذلك اليوم، ولقد سمعته يقول في وجوه فتيان الحي هذه الأبيات:

تأملن فعلي هل رأيتن مثله
إذا حشرجت نفس الجبان من الكرب
وضاقت عليه الأرض حتى كأنه
من الخوف مسلوب العزيمة والقلب
ألم أعط كلا حقه ونصيبه
من السمهري اللدن والمرهف العضب
أنا ابن أبي هند بن قيس بن مالك
سليل المعالي والمكارم والسيب
أبى لي أن أعطي الظلامة مرهف
وطرف قوي الظهر والجوف والجنب
وعزم صحيح لو ضربت بحده ال
جبال الرواسي لانحططن إلى الترب
وعرض نقي أتقي أن أعيبه
وبيت شريف في ذرى ثعلب الغلب
فإن لم أقاتل دونكن وأحتمي
لكن وأحميكن بالطعن والضرب
فلا صدق اللاتي مشين إلى أبي
يهنينه بالفارس البطل الندب

وقال الشاعر:
آراؤهم ووجوههم وسيوفهم
في الحادثات إذا دجون نجوم
منها معالم للهدى ومصابح
تجلو الدجى والأخريات رجوم

وقال آخر:
فوارس قوالون للخيل أقدمي
وليس على غير الرؤوس مجال
بأيديهم سمر العوالي كأنما
تشيب على أطرافهن ذبال

وقال آخر:
قوم إذا اقتحموا العجاج رأيتهم
شمسا وخلت وجوههم أقمارا
لا يعدلون برفدهم عن سائل
عدل الزمان عليهم أو جارا
وإذا الصريخ دعاهم لملمة
بذلوا النفوس وفارقوا الأعمارا

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.