شجاعة العرب بين الوفاء والغدر حكايات عربية للعبرة والتسلية (1)

0

القاهرة – مختار عبد الحميد:

جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيل من بعد جيل، تشكل كيان ووجدان الامة وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواء في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها.. والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تذخر بها كتب السيرة وتاريخ الامم مما نقلوه من الاجداد.

الشجاعة من الفضائل التي امتدحها العرب قبل الإسلام وبعده، وكان الفارس مفخرة لقبيلته وعشيرته، ولم يكن العرب يقبلون الذل ولا الهوان، ولا يقيمون على الضيم، فكانوا إذا تعرضوا هم أو حلفاؤهم لأي إهانة استلوا سيوفهم، وبادروا إلى خيولهم، وعلت أبواقهم وأشعلوها حروبا ضروساً، ولو ضحوا في ذلك بأنفسهم.
يذكر ابن الاثير في كتابه الكامل في التاريخ، أن المنذر بن ماء السماء (ملك العرب الحيرة) سار في معد كلها حتى نزل بعين أباغ، وأرسل إلى الحارض بن أبى شمر (ملك العرب بالشام)، وقال له: إما أن تعطينى الفدية فأنصرف عنك بجنودي، وإما أن تأذن بحرب.
فأرسل إليه الحارث: أنظرنا ننظر في أمرنا وجمع عساكره، وسار نحو المنذر، وأرسل إليه بقول له: إنا شيخان فلا تهلك جنودي وجنودك، ولكن يخرج ولد من ولدى ورجل من ولدك فمن قتل خرج عوضه آخر، وإذا فني أولادنا خرجت أنا إليك، فمن قتل صاحبه ذهب بالملك، فتعاهدا على ذلك.
فعمد المنذر إلى رجل من شجعان أصحابه، فأمره أن يخرج فيقف بين الصفين، ويظهر أنه ابن المنذر، فلما خرج أخرج إليه الحارث ابنه ابا كرب، فلما رآه رجع إلى أبيه، وقال: إن هذا ليس بابن المنذر، إنما هو عبده أو بعض شجعان أصحابه، فقال: يا بني، أجزعت من الموت! ما كان الشيخ ليغدر! فعاد إليه وقاتله فقتله الفارس، وألقى رأسه بين يدى المنذر وعاد.
فأمر الحارث ابنا له آخر بقتاله والطلب بثأر أخيه، فخرج عليه، فلما واقفه رجع إلى أبيه، وقال : يا أبت هذا والله عبد المنذر، فقال: يا بني ما كان الشيخ ليغدر! فعاد إليه فشد عليه فقتله.
فلما رأى ذلك شمر بن عمر، وكانت أمه غسانية وهو مع المنذر، قال: أيها الملك، إن الغدر ليس من شيم الملوك ولا الكرام، وقد غدرت بابن عمك دفعتين، فغضب المنذر، وأمر بإخراجه، فلحق بعسكر الحارث فأخبره، فقال له: سل حاجتك، فقال له: حلتك وخلتك.
فلما كان الغد جمع الحارث أصحابه وحرضهم، وكانوا في أربعين ألفا واصطفوا للقتال، فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل المنذر وهزمت جيوشه، فأمر الحارث بابنيه القتيلين فحملا على بعير بمنزلة العدلين، وجعل المنذر فوقهما فردا، وقال « يا لعلاوة دون العدلين! وسار إلى الحيرة فأنهبها وأحرقها، ودفن ابنيه بها. وفي ذلك يقول الشاعر ابن أبي الرعلاء الضبياني:
كم تركنا بالعين عين أباغ… من ملوك وسوقة ألقاء
فرقت بينهم وبين نعيم… ضربة من صفيحة نجلاء
ليس من مات فاستراح بميت… إنما الميت ميت الأحياء
لما قتل المنذر بن ماء السماء، ملك بعده ابنه المنذر وتلقب الأسود، فلما استقر وثبت قدمه جمع عساكره وسار إلى الحارث الأعرج طالباً بثأر أبيه عنده، وبعث إليه: إنني قد أعددت لك الكهول، على الفحول. فأجابه الحارث: قد أعددت لك المرد على الجرد. فسار المنذر حتى نزل بمرج حليمة، فتركه من به من غسان للأسود.
ثم إن الحارث سار فنزل بالمرج أيضاً، فأمر أهل القرى التي في المرج أن يصنعوا الطعام لعسكره، ففعلوا ذلك وحملوه في الجفان وتركوه في العسكر، فكان الرجل يقاتل فإذا أراد الطعا م جاء إلى تلك الجفان فأكل منها. فأقامت الحرب بين الأسود والحارث أياماً ينتصف بعضهم من بعض. فلما رأى الحارث ذلك قعد في قصره ودعا ابنته هنداً وأمرها فاتخذت طيباً كثيراً في الجفان وطبت به أصحابه، ثم نادى: يا فتيان غسان من قتل ملك الحيرة زوجته ابنتي هنداً. فقال لبيد بن عمرو الغساني لأبيه: يا أبت أنا قاتل ملك الحيرة أو مقتول جونه لا محالة، ولست أرضى فرسي فأعطني فرسك الزيتية. فأعطاه فرسه. فلما زحف الناس واقتتلوا ساعةً شد لبيد على الٍود فضربه ضربة فألقاه عن فرسه وانهزم أصحابه في كل وجه، ونزل فاحتز رأسه وأقبل به إلى الحارث وهو على قصره ينظر إليهم، فألقى الرأس بين يديه. فقال له الحارث: شأنك بابنة عمك فقد زوجتكها. فقال: بل أنصرف فأواسي أصحابي بنفسي فإذا انصرف الناس انصرفت. فرجع فصادف أخاه الأسود قد رجع إليه الناس وهو يقاتل وقد اشتدت نكايته، فتقدم لبيد فقاتل فقتل، ولم يقتل في هذه الحرب بعد تلك الهزيمة غيره، وانهزمت لخم هزيمةً ثانيةً وقتلوا في كل وجه، وانصرفت غسان بأحسن ظفر. وذكر أن الغبار في هذا اليوم اشتد وكثر حتى ستر الشمس وحتى ظهرت الكواكب المتباعدة عن مطالع الشمس لكثرة العساكر، لأن الأسود سار بعرب العراق أجمع، وسار الحارث بعرب الشام أجمع، وهذا اليوم من أشهر أيام العرب، وقد فخر به بعض شعراء غسان فقال:
يوم وادي حليمةٍ وازدلفنا ** بالعناجيج والرماح الظماء
إذ شحنّا أكفّنا من رقاقٍ ** رقّ من وقعها سنا السّحناء
وأتت هند بالخلوق إلى من ** كان ذا نجدةٍ وفضل غناء
ونصبنا الجفان في ساحة المر ** ج فملنا إلى جفانٍ ملاء

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

19 − 14 =