شجاعة ودهاء حكايات عربية للعبرة والتسلية 4

0

القاهرة – مختار عبد الحميد:
جميع شعوب الارض لهم عادات وتقاليد يتوارثونها جيل من بعد جيل، تشكل كيان ووجدان الامة وتعتبر كقانون ملزم لكل افرادها، وهكذا نرى ان المجتمع العربي سواء في الجاهلية او بعد الاسلام، دائما كان متمسكا بتقاليده وعاداته التي توارثها، كمحاسن الاخلاق والكرم وغيرها، وحتى يغرس هذه التقاليد ويحافظ عليها كان لابد ان تنتقل من خلال قصص تروى وليس الغرض منها فقط التسلية والترفيه عنا في اوقات الفراغ، انما تقدم لنا نماذج وامثلة تصور هذه العادات وتوضح نبل مقصدها وتدفع الناس الى الاقتداء بهذه الامثلة من الايمان والواجب والحق والتضحية والكرم والشرف والايثار وايضا تقدم الصور السلبية من البخل والطمع وغيرها.. والتي تقدمها من خلال ما ورد من حكايات تذخر بها كتب السيرة وتاريخ الامم مما نقلوه من الاجداد.

ومن صور شجاعة العرب التي اقترنت بالدهاء ما ذكره ابراهيم شمس الدين في كتابه قصص العرب فيقول خرج أبو سفيان ابن حرب في جماعة من قريش وثقيف يريدون العراق بتجارة فلما ساروا ثلاثا جمعهم أبو سفيان فقال لهم أنا من مسيرنا هذا لعلى خطر ما قدومنا على ملك جبار لم يأذن لنا في القدوم عليه وليست بلاده لنا بمتجر ولكن أيكم يذهب بالعير فإن أصيب فنحن برآء من دمه وإن غنم فله نصف الربح فقال غيلان بن سلمة (كان غيلان شريفاً مقدماً في قومة وغيلان فيما يقال أحد من قال من قريش للنبي صلى الله علية وسلم : (لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين). وكان من حكام العرب في الجاهلية، وعدة ابن حبيب في أشراف المعلمين وذكرة حكام العرب ضمن أربعة أشراف من قيس، وقال كان يجلس في أيام المواسم فيحكم بين الناس يوماً، وينشد شعره يوماً، وينظرون إلى وجهه يوماً. ولقد أسلم بعد فتح الطائف) دعوني إذا فأنا لها فدخل الوادي فجعل يطوفه ويضرب فروع الشجر ويقول:

ولو رآني أبو غيلانَ إذْ حَسَرتْ
عني الأمورُ إلى أمرٍ له طَبَق
لقال رُغْبٌ ورُهْبٌ يُجمعان معاً
حبُّ الحياة وهَوْلُ النَّفس والشَّفَقُ
إمّا بقيتَ على مجدٍ ومَكرمة
أو أسوة لك فيمن يَهْلِك الورق
ثم قال أنا صاحبكم ثم خرج في العير وكان أبيض طويلا جعدا ضخما فلما قدم بلاد كسرى تخلق ولبس ثوبين أصفرين وشهر أمره وجلس بباب كسرى حتى أذن له فدخل عليه وبينهما شباك من ذهب فخرج إليه الترجمان وقال له يقول لك الملك من أدخلك بلادي بغير إذني!
فقال: قل له لست من أهل عداوة لك ولا أتيتك جاسوسا لضد من أضدادك وإنما جئت بتجارة تستمتع بها فإن أردتها فهي لك وإن لم تردها وأذنت في بيعها لرعيتك بعتها وإن لم تأذن في ذلك رددتها، وجعل يتكلم، فإذا سمع صوت كسرى فسجد. فقال له الترجمان يقول لك الملك: لم سجدت؟ فقال سمعت صوتا عاليا حيث لا ينبغي لأحد أن يعلو صوته إجلالا للملك، فعلمت أنه لم يقدم على رفع الصوت هناك غير الملك فسجدت إعظاما له.
فاستحسن كسرى ما فعل وأمر له بمرفقة توضع تحته، فلما أتي بها رأى عليها صورة الملك فوضعها على رأسه فاستجهله كسرى واستحمقه. وقال للترجمان قل له: إنما بعثنا إليك بهذه لتجلس عليها، قال قد علمت ولكني لما أتيت بها رأيت عليها صورة الملك فلم يكن حق صورته على مثلي أن يجلس عليها ولكن كان حقها التعظيم فوضعتها على رأسي لأنه أشرف أعضائي وأكرمها علي!
فاستحسن فعله جدا ثم قال له: ألك ولد؟ قال نعم! قال فأيهم أحب إليك قال (الصغير حتى يكبر والمريض حتى يبرأ والغائب حتى يئوب) فقال كسرى: زه! ما أدخلك علي ودلك على هذا القول والفعل إلا حظك! فهذا فعل الحكماء وكلامهم وأنت من قوم جفاة لا حكمة فيهم، فما غذاؤك؟ قال خبز البر. قال هذا العقل من البر لا من اللبن والتمر.
ثم اشترى منه التجارة بأضعاف ثمنها وكساه وبعث معه من الفرس من بنى له أطما بالطائف فكان أول أطم بني بها .

كاد يسبق السيف العذل
ومن صور الشجاعة والثبات أمام الموت ما حدث به أحمد بن أبي داود القاضي، حيث قال: ما رأيت رجلاً عرض علي الموت فلم يكترث به ولا ” شغله عما أراده حتى بلغه وخلصه الله من القتل ” إلا تميم بن جميل السدوسي الخارجي، وكان قد خرج على المعتصم، ورأيته قد جيء به أسيراً فأدخل عليه يوم موكب، وقد جلس المعتصم للناس مجلساً عاماً، ودعا بالسيف والنطع. فلما مثل بين يديه، نظره المعتصم فأعجبه حسنه وقده ومشيته إلى الموت غير مكترث به، فأطال الفكر فيه، ثم استنطقه لينظر أين عقله ولسانه من جماله، فقال: يا تميم إن كان لك عذر فأت به. فقال: أما إذا أذن أمير المؤمنين في الكلام فإني أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله سلالة من ماء مهين. يا أمير المؤمنين جبر الله بك صدع الدين، ولم بك شعث الإسلام والمسلمين، وأخمد بك شهاب الباطل، وأنار بك سبيل الحق، إن الذنوب يا أمير المؤمنين تخرس الألسنة، وتصدع الأفئدة، وايم الله لقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجة، وساء الظن، ولم يبق إلا عفوك أو انتقامك، وأنت إلى العفو أقرب، وهو بك أشبه وأليق ثم أنشده:
أرى الموت بين السيف والنطع كامناً
يلاحظني من حيث ما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي
وأي امرئ مما قضى الله يفلت
وأي امرئ يدلي بعذر وحجة
وسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعز على الأوس بن ثعلب موقف
يسل علي السيف فيه وأسكت
وما جزعي من أن أموت وإنني
لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبية قد تركتهم
وأكبادهم من حسرة تتفتت
كأني أراهم حين أنعى إليهم
وقد لطموا حر الخدود وصوتوا
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة
أذود الردى عنهم وإن مت موتوا
وكم قائل لا يبعد الله داره
وآخر جذلان يسر ويشمت
قال: فبكى المعتصم ثم قال: إن من البيان لسحراً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: يا تميم كاد والله يسبق السيف العذل، وقد وهبتك لله ولصبيتك وعفوت عن زلتك، ثم عقد له ولاية على عمله، وخلع عليه وأعطاه خمسين ألف دينار.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

خمسة × أربعة =