شحم زائد …!

حسن علي كرم

في تصريح انفردت به “السياسة” وصفت النائب صفاء الهاشم – المراة الوحيدة في مجلس الامة- جهاز المراقبين الماليين بـ”الشحم الزائد” داعية الى إزالته، والواقع اذا كنّا امام جهاز حكومي يوصف بـ”الشحم الزائد” علينا ان ندقق، وبعيون ثاقبة، في الجسم الحكومي لنكتشف انه جهاز مترهل وشحومه، بعد ازالتها وذوبانها، قد تغطي قارتي اسيا وافريقيا، وربما القارات الخمس باكملها، فدولة مثل الكويت التي مسحتها لا تتجاوز الـ 18 الف كيلو متر مربع، واذا قيست لا تتجاوز مساحة مدينة او اقليم من اقاليم الصين على سبيل المثال، و عدد مواطنيها من الكويتيين مليون وربع المليون، والوافدون في حدود المليونين وبضع مئات من الآلاف، اي كلنا وافدون و مواطنون لوضعنا في الهند او الصين او بنغلادش او اندونيسيا لما ملانا مدينة من مدن تلك الديار، رغم هذا فجهازنا الوظيفي لو يتم تشغيله في الهند او الصين او اي دولة ذات الكثافة السكانية المليارية لكفاها، بل زاد و صار عندهم ترهل وظيفي.
ديوان المحاسبة وجهاز المراقبة المالية وهيئة مكافحة الفساد وجهاز التحقيق في ادارة الفتوى والتشريع وجهاز القضاء بفخامته وجهاز متابعة اعمال الوزارات، هذا بخلاف مراقبة السلطة التشريعية لاعمال الحكومة، كل هذا والجهاز الحكومي لا يعاني من الترهل فقط، بل يعاني من امراض مزمنة ومستعصية.
تعالوا نرى هذا الجهاز و نرى مهماته، يقترب عدد موظفي الجهاز الحكومي من ال 400 الف موظف نحو 120 الفا منهم وافدون والباقون مواطنون، ورغم هذا العدد الضخم فباب التوظيف مشرع، وفي كل شهر ينشر ديوان الخدمة المدنية قائمة جديدة من الذين تم قبولهم للعمل في الجهات الحكومية، هذا بخلاف التوظيف – الكتيني – لغير الكويتيين، و هذا الجهاز الوظيفي المترهل والبليد والموصوف بالفوضى والفساد يستهلك من مالية الدولة السنوية اكثر من ثلثي الموازنة العامة… هذا يحدث في الكويت.
دلوني اذا كانت هناك بلاد اكثر تخلفاً غير الكويت جهازها الوظيفي يعاني من اللحوم والشحوم الزائدة والفاسدة؟
يفترض ازاء الثورة الالكترونية التي جعلت المعاملة الواحدة التي كان يتولى إنجازها عشرون موظفا في الماضي ينجزها اليوم موظف واحد وبجهاز الحاسوب المركون امامه، ولو طبقت الحكومة الكويتية نظام الموظف الواحد لما احتاجت الا الى بضع الاف من الموظفين النشيطين ولاستغنت عن ثلثي موظفيها الكسالى، ولتخلصت مما يسمى العمالة الزائدة والبطالة المقنعة الذين يعدون الايام ليقبضوا رواتب عالية فيما الانتاج دون الصفر!
مشكلة الترهل والشحم الزائد في الجهاز الحكومي لن تعالج بالكلام والملاحظات العابرة، بل تحتاج الى اقتحام حقول الالغام، فالجهاز الحكومي لم يؤسس اغلبه للمنفعة العامة، انما لاغراض سياسية ولتنفيع اشخاص لذلك فالمعالجة الحقيقية تحتاج الى جراحين فاعلين وجادين يقلصون الدوائر الحكومية الرائدة، ويلغون الدوائر التي انشئت للتنفيع، وهذا لن يتاتى مادامت الحكومة خايفة من تفنيش الموظفين الكسالى وغير الملتزمين بالدوام، وفي الوقت نفسه مستمرة بالتوظيف السياسي وتكديس المزيد من الموظفين الذين لا حاجة فعلية لهم.

صحافي كويتي

Print Friendly