شرعنة الغش…!

0 14

حسن علي كرم

في احدى الأمسيات، كان ذلك قبل نحو ثلاثة عقود، كنت جالساً الى مسؤول المبيعات في احدى وكالات السيارات، وكان قد سبقني الى المكتب ضابط شرطة، بنجومه الفضية اللماعة، وشخص أخر، الا ان الضابط بصفته العسكرية، كان يتزعم الحوارات فيما نحن الثلاثة صامتون، الا ان الضباط أخذ يتمادى بالحديث بعدما وجد صمتاً منا نحن الثلاثة، فاخذ يتفاخر بنفسه مع ابتسامة صفراء بلهاء على وجهه، التي لا تدل على انه من فئة الأذكياء قائلاً: انه خريج حقوق، وانه في اثناء الاختبارات كان يضع كتاب المقرر على الطاولة وينقل منه نص الإجابة (!!!)
هذا نموذج من الغش بوجه سافر، وبلا حياء من عسكري يحمل نجوماً لمّاعة على كتفيه، ومكلف تطبيق النظام وفرض القانون على الناس!
الغش في الامتحانات العامة ليس ظاهرة جديدة، لكنه تحول من ظاهرة الى عادة، بمعنى ان الطالب بدلاً من ان يذاكر ويحفظ المقرر يكتفي بان يبدع في اسهل الطرق في الغش من “البراشيم” الورقية وغيرها من فنون الغش الحديثة، تماشياً مع التطور التكنولوجي.
علاوة على هذا فان بعض المدرسين ومكاتب التصوير والخدمات الطلابية المنتشرة في كل أنحاء البلاد، ومنها فروع الجمعيات التعاونية، يعلنون عن بيع ما يسمى الامتحانات النموذجية، و تحديدالصفحات الاهم من المقرر الذي تأتي عليه أسئلة الامتحان.
قطعاً مكاتب الخدمات الطلابية والمدرسين لا يؤدون هذا كعمل خيري او مساعدة للطلاب، انما مقابل المال الذي يدفعه الطلاب من اجل شراء مذكرات الاختبارات، كما هي الحال بالنسبة للدروس الخصوصية.
هناك حاليا حملة على ما يسمى الشهادات المزورة او المضروبة، لا بأس، ولم يكن ليتيح لحملة الشهادات المزورة الحصول على تلك الشهادات لو لا ان هناك من سهل لهم التزوير، ولم يكن للمزورين ان يتمادوا و يتكاثروا، و يتولوا مناصب عالية في الدولة، لو لا ان الدولة تساهلت معهم، فصار الغش و التزوير جزءا من ثقافة المجتمع، ولكي تنجح في الامتحان عليك ان تغش، وان تسعى لمنصب وجاهي او قيادي لا عليك الا ان تشتري شهادة عالية بمبلغ وقدره، وعليها أختام اي مؤسسة تعليمية عالية، ثم طرق الترقية الى المناصب القيادية سالكة!
من هنا فساد التعليم وتالياً فساد المجتمع لم يكن عفوياً او في غياب المسؤولين، وتالياً صبح عاديا ان يقتحم أولياء أمور طلبة غشاشين مكتب وزير التربية مطالبين منه للخروج من مكتبه حتى يتفاهم معهم على غش ابنائهم في الامتحان.
لم يكن ليتجرأ الاولياء الامور على ذلك الا لأنهم يَرَوْن ان الغش صار حقاً مكتسباً، بعدما ما تمادت الدولة وغضت النظر عن الشهادات المزورة، وبيع الامتحانات، والغش العلني في لجان الامتحانات، وبحضور او مساعدة بعض الأساتذة المشرفين والمراقبين، ولا تجرأ مجلس ادارة جمعية المعلمين على ان يتدخل في الامور الإدارية التي هي من الاختصاص الأصيل لوزارة التربية وللوزير تحديداً، لو لا سوابق التدخل وتغاضي الوزارة عنها، أذن نحن امام وضع مقلوب كما قال المرحوم احمد الربعي؟
هناك أولياء الامور من يجأر بشرعنة الغش في الاختبارات المدرسية، وهناك من يطالب بتمرير الشهادات المزورة، وهناك من يطالب بمناصب قيادية لا يستحقها على حساب المستحقين، أذن نحن امام كارثة مستقبلية، لا يكفي ان يوصف التعليم بالفاشل، فيما لا نجد يداً قوية حديدية تنسف كل مظاهر الفساد، بدءا من الغش في الامتحانات والشهادات المزورة والرشاوى وتمرير المعاملات، والمناقصات وحاويات البضائع المزورة والمقلدة والممنوعة من دخول البلاد، من منافذ الجمارك، وشهادات الجنسية المزورة، وشهادات الميلاد المزورة، وقس على هذا المنوال كل ما هو مخالف للقانون.
اول الاصلاح التعليم، والاصلاح ليس كلاماً يطلق في الهواء من مسؤول، انما هو عمل حقيقي يقوم على نسف الفاسد واجتثاثه من جذوره… لا نريد ان نسمع المسؤولين وهم يتحدثون عن الدولة الفلانية او الدولة الفلنتانية عملت كذا وكذا…. السؤال: أنتم ماذا فعلتم؟
صحافي كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.