شرق أوسط جديد… نهضة عربية بلا حروب مع إسرائيل

0 13

باتت ساعة الاحداث في المنطقة مضبوطة على المواقيت الإسرائيلية، مدفوعة بقوة التحالف مع الولايات المتحدة التي ترى في تل أبيب جوهرة تاج السيطرة على الشرق الاوسط وهزيمة المعسكر المعادي، والاداة لاستكمال تسويق المشروع الاسرائيلي القائم على فرض السلام من وجهة نظر صهيونية، مهما تبدلت الادارات الاميركية، لذلك فإن ما يحصل اليوم هو تنفيذ أجندة تل ابيب بإذعان اميركي بسبب انسياق ادارة الرئيس دونالد ترامب لرغبات اللوبي الصهيوني بعدما تحققت الاهداف بطريقة غير مباشرة عبر التخريب الايراني في الاقليم.
قبل العام 1979 كان نظام ايران يعتبر شرطي المنطقة، ويشكل عنصر توازن مع اسرائيل في مواجهة العرب، غير ان بدء الشاه التطلع الى تأدية دور اكبر مما هو مرسوم له أدى الى تقويضه من خلال التخلي التدريجي اميركيا عنه، وتقديم آية الله الخميني كبديل له، ليصبح نظام الملالي الساعد الايمن للشرطي الاخر، أي اسرائيل.
يدرك الجميع ان الخميني وضع منذ البداية مجموعة اهداف نصب عينيه، وكلها في المحصلة تخدم الستراتيجية الاسرائيلية، اولها تصدير الثورة، وثانيها زعزعة الامن في الخليج العربي، وثالثها محاولة خطف القضية الفلسطينية من خلال ابتداع تنظيمات ذات ميول دينية اسلامية مرتبطة مباشرة بطهران، وكان في الاهداف الثلاثة يعمل على إضعاف الدول العربية، ففي حربه مع العراق التي استمرت ثماني سنوات، خسر الطرفان نحو اربعة ملايين بين قتيل وجريح ومعوق ومفقود، اضافة الى 600 مليار دولار خسائر مباشرة وغير مباشرة، كما استنزفت القوة العسكرية العراقية بالقدر ذاته الذي استنزفت فيه القوة الايرانية.ما جرى هو في الواقع جوهر الستراتيجية الصهيونية التي لخصها ديفيد بن غوريون في خطابه بافتتاح مفاعل ديمونا العام 1963 بقوله: «إن الاسلحة النووية لن تخدم اسرائيل بالسيطرة على المنطقة، انما الحل يكون باضعاف الدول العربية عبر الحروب الاهلية والصراعات الداخلية، وتفتيت الدول الكبرى الثلاث، سورية ومصر والعراق، وتحييد الاخرى».
جربت اسرائيل طوال عشرين عاما الحرب سبيلا لتحقيق اهدافها، ربحت بعضها وخسرت واحدة، وفي العام 1967 سيطرت على القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، غير انها لم تستطع فرض شروطها على العرب، والفلسطينيين.
غير ان الانقاذ أتى من طهران الخمينية، إذ منذ ولادة نظام التخريب الملالوي، وبدء تنفيذ مخططه، وعزفه على الاوتار الطائفية، استطاع تعزيز دور اسرائيل، بأذرعه العميلة، في لبنان، مثلا حين جعل من «حزب الله» دولة داخل الدولة، او في البحرين والمنطقة الشرقية السعودية، والكويت، عندما ابتدع ما سمي ايضا «احزاب الله»، وتحالف مع «الاخوان المسلمين» الذين استفادوا منه في ادخال مصر نفق العمليات الارهابية، وكانت باكورتها في اغتيال الرئيس انور السادات.
في العام 2001 دخلت ايران في مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة الاميركية بدعمها لتنظيم «القاعدة»، متوهمة انها اصبحت قوة عظمى مستقلة، غير ان ما كشفته الوثائق المصادرة من مسكن اسامة بن لادن، عن تسهيلها السبل لمنفذي تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر زاد من اشتداد الحبل حول عنق النظام.
في العام 2011 دخلت ايضا على خط الربيع العربي، وساعدت القوى المنغمسة في المشروع التدميري، بدءا من محاولتها التدخل في تونس، مرورا بدفعها الجماعات الارهابية في ليبيا واسقاط نظامها، والسعي الى تفكيكها، ودعمها للاخوان المسلمين في مصر، حيث شكلت الرديف التخريبي للجماعة من خلال عصابات مرتبطة بحركة» حماس»، وصولا الى البحرين والعراق والمنطقة الشرقية للسعودية، واليمن حيث تقاتل علنا والدليل القصف بصواريخ ايرانية الصنع بلغت حتى اليوم نحو 160 صاروخا.
يبدو جليا اليوم ان الدور التخريبي الايراني انتهى، اذ رغم كل الحاصل، الا ان المشروع لم يتحقق بكليته، فلا رأينا في لبنان جمهورية اسلامية، كما وعد حسن نصرالله، قبل نحو 30 عاما، ولا في اليمن استطاعت اختراق الحدود السعودية، فيما العراق بدأ يعلن غضبه من وجود قواتها، اما في سورية فقد وضعت روسيا النقاط على الحروف بالطلب منها سحب قوات الحرس الثوري والميليشيات التابعة لها. في المقابل كانت تترسخ القناعة العربية بأن المجتمع الدولي الداعم لتل ابيب لم يعد يريد المزيد من الحروب في الاقليم المهم له اقتصاديا، وان تكلفة الخراب عالية جدا وتعود عليه سلبيا، بينما الاخيرة رأت ان السلام خيارها الوحيد للاستمرار، لا سيما بعدما ذاقت ثماره مع مصر، والاردن وقطر وموريتانيا.
ثمة من يعتقد ان في ذلك انتصاراً لتل ابيب، فيما الحقيقة ان العرب لم يكونوا يوما على استعداد للحرب لتحرير فلسطين التي استخدمت شماعة للانظمة، لا سيما المسماة ثورية، لتحقيق مصالح خاصة، والدليل على ذلك ان في العام 1969 حين اقدم اسرائيلي على احراق المسجد الاقصى مرت المسألة بعاصفة استنكار وتنديد، وانحسرت عن لا شيء، وكذلك كانت الحال قبل اسابيع حين اعلن دونالد ترامب نقل سفارة بلاده الى القدس، ثارت العاصفة ذاتها وهدأت قبل الاحتفال بنقل السفارة. في الحقيقة هذا يؤكد ان القضية اصبحت شأنا فلسطينيا- اسرائيليا، ولم تعد هما عربيا.
طوال العقود السبعة الماضية خسر العرب الكثير في ترددهم بين الحرب والسلم، وعلى المستويات كافة، واولى الخسائر كانت التنمية، اما اليوم، وبعدما لمسوا هم ايضا فوائد السلام، وبعدما باتت ايران تشكل الخطر الاكبر عليهم، مع تحولها وحشاً بدأت تحاصره المشكلات، اختاروا المضي الى المستقبل بعربة التنمية والخروج من دوامة الحروب والمراوحة مكانهم.

أ حمد الجارالله

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.