شفاحة… شَمِحوطة محبرة وقلم

0

مشعل عثمان السعيد

الشفاحة، صفة للإنسان شديد الطمع، الشره، الأناني ضعيف الإرادة والشخصية، لا عزم ولا حزم عنده، “معازيبنا” الإنكليز يسمون المشفوح “greed man” فالمشفوح هو الذي لا شخصية له، يريد ان يستحوذ على كل شيء لنفسه، وبسرعة، هذا الإنسان المشفوح لا يراعي شعور غيره ولا يهمه إلا نفسه، حتى الخبر يريد معرفته سريعاً، وإن كان هذا الخبر لا يعنيه من قريب أو بعيد، يلاحظ على المشفوح الجشع والغيرة والحسد والعجلة في الأمور، ويعد المشفوح في زمرة الفضوليين، يسأل من بجانبه عن كل شيء، نلاحظ أيضا انه لحوح في أسئلته، هذه الأسئلة لا تنتهي عند حد، لا ترتاح النفس للحوح، مثل طعم الحنظل في الفم لا يستساغ، هؤلاء “المشفوحون” تجدهم في كل مكان، حتى في الأسواق، والله يعين اللي عنده جار مشفوح، والشفاحة ليست مقصورة على الرجال، وإنما في النساء أيضاً، ومفشوحة النساء أكثر فضولية من الرجال، والشفاحة في الطعام ظاهرة كثيراً ما نراها في الولائم.
العجيب ان المشفوح ضعيف المقاومة للأمراض، لأن مناعته قتلتها شفاحته، والأعجب ان الشفاحة يزداد تأثيرها مع تقدم العمر، فتزداد شراهة المشفوح وتصبح ظاهرة للعيان، حتى يصل الى موت الحياء والخجل عنده، بعض الناس يعتبر الشفاحة ماركة مسجلة.كان في العصر الأموي الأول شاعر مشهور، معروف بشفاحته وشراهته لذلك اضافوا الى اسمه “شهوات” فأصبح اسمه “موسى شهوات” مع ان اسمه موسى بن بشار. هذا الرجل كان اذا رأى متاعاً أو ما شابه ذلك قال: اشتهي هذا، واذا لم يعط تباكى حتى يأخذه، وكان أشعب الطمع أكبر مشفوح في العصر الإسلامي الأول أيضاً، ومن شفاحته وشراهته انه أكل هريسة في منزل سالم بن عبدالله بن عمر، فأمعن في الأكل، حتى أتى على الهريسة كلها، ثم عاد الى منزله، فقالت له زوجته وهي مثله في “الشفاحة” يا مشؤوم، بعث عبدالله بن عمرو بن عثمان في طلبك، وقلت للرسول انك مريض، فقال لها: أحسنت، ثم عصب رأسه ودهن وجهه ورأسه بصفرة، وأخذ عصا يتوكأ عليها، وذهب الى عبدالله بن عمرو بن عثمان، فقال له مندهشا، أشعب!! قال: نعم، جعلت فداك، ما قمت من فراشي منذ شهرين، واذا الى جانب عبدالله بن عمرو، سالم ابن عبدالله، الذي أكل الهريسة عنده، فقال له: ويحك يا أشعب، ألم تكن عندي اليوم؟ قال أشعب: لا، فغضب سالم بن عبدالله وخرج، فقال عبدالله بن عمرو بن عثمان لأشعب: ما غضب خالي إلا من شيء، فاعترف له بالحقيقة فضحك هو ومن عنده، ووهبه دراهم، ثم لقي أشعب سالماً بعد ذلك، فقال له: ألم تكن عندي يا أشعب؟ قال: بلى، فقال سالم: لقد شككتني في نفسي. اما موسى شهوات الذي ذكرته فهو: أبو محمد، موسى ابن بشار المدني، مولى بني سهم من قريش، وقيل مولى بني تيم، نشأ في المدينة المنورة، وتردد على دمشق وغيرها من حواضر الخلافة الأموية، تكسب من شعره، ونال أموالاً كثيرة، عرف بالإلحاح في المسألة والإلحاف الى درجة البكاء، ويعد شعر موسى شهوات غنائياً رقيقاً سائراً، مع القوة والمتانة والسلاسة، بعيداً عن التكلف والغرابة، جزل الألفاظ، وغالب شعره في فنون الغزل والمديح، وأشهر شعره على الاطلاق أبياته النونية التي مدح بها حمزة بن عبدالله بن الزبير، وهي من الشعر المغنى، يقول فيها:
شاقني اليوم حبيب قد ظعن
ففؤادي مستهام مرتهن
إن هنداً تيمتني حقبة
ثم بانت وهي للنفس شجن
فتنة ألحقها الله بنا
عائذ بالله من شر الفتن
وقد توفي موسى شهوات في خلافة هشام بن عبدالملك عام 110هـ، وبالعودة الى الشفاحة، يقول أحد الشعراء الشعبيين:
ليتني من جمرتك فشيت غلّي
لين أعلم جمرتك معنى الشفاحة
وهذا الشاعر استخدم الشفاحة لإظهار شدة تعلقه بمن يحب، وبالنسبة للمشفوح فهو أقرب ما يكون من الملقوف، والشفاحة درجات متفاوتة، منها الوسط ومنها الأكثر من ذلك، والمنبوذ في المجتمع الشديد الشفاحة، ومن به هذا الداء يقال له: شفح ومشفوح، وأما الكلمة الثانية وهي: الشمحوطة، فهي مفرد الجمع منها: شماحيط، وهي وصف للمرأة الطويلة، وهذه الكلمة مأخوذة من اللغة العربية، وغالباً ما يقال شمحوطة، لفارعة الطول ريانة الجسم، ولا شك انها جميلة، وفي معجم تاج العروس: الشمحط: المفرط الطول، وكذلك الشمحوط: الطويل، وقد عرف الفنان الكويتي الكبير سليمان الياسين بلزمة “شمحووووطة” في إحدى مسرحياته القديمة، لأنه كان يرددها كثيراً في المسرحية وهو يشير الى فنانة فائقة الطول، جميلة، وعموماً لم يعد أحد يستخدم هذه الكلمة إلا نادراً.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله.
كاتب كويتي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

أربعة عشر − عشرة =