صابرين فرعون: الأدب سلاحنا لنمنع محو ذاكرة التاريخ روائية فلسطينية تنشد السلام والتوازن والهروب من الأقفاص

0

نعاني من كثرة أصحاب الرؤى النقدية التي تظلم النقاد الحقيقيين

القاهرة- أحمد بدر نصار:
أكدت الروائية الفلسطينية صابرين فرعون أننا نعاني من أزمة نقد في العالم العربي، لافتة إلى أن هناك خلطا في المسميات والمفاهيم، واننا نعاني من نفاق اجتماعي على حساب النص ونعاني من كثرة أصحاب الرؤى النقدية التي تتجنى وتظلم النقاد الحقيقيين، وأن الأدب وسيلة حوار تقف وجهاً لوجه أمام الغزو الإعلامي لمحو ذاكرة التاريخ، مشددة على أن تاريخنا مليء بالنماذج المشرفة في العلم والأدب كفيلة أن تؤكد أننا شعوب ترفض الدموية والوحشية وتسعى لبناء الحضارة. التفاصيل في الحوار التالي:

كيف أعلنت الكتابة عن نفسها لديك؟
أصّلت والدتي فيّ حب القراءة، فكنتُ أقتطع من مصروفي لأشتري الروايات وأؤسس لمكتبتي الخاصة، ربما سبقت قريناتي نضجاً بحكم التجربة والتشجيع فتأثرت بما اقرأ وبدأت بكتابة خواطر. كنتُ أنشد السلام والتوازن والهرب من أقفاص فُرضت عليَّ، وقد نجحت في التحليق فوق غيمة اللغة لأرسم أحلامي وأرمم ما هُدم من روحي، أؤمن بشرعية الأسئلة وأؤمن أكثر بالبحث عن إجابات شافية.
ما الذي يستفزك في المجتمع العربي ليترجم إلى كلمات ؟
يستفزني العُرف والعادات التي نتوارثها ولا نتفكر في مناسبتها للمجتمع مع تغير الوقت والتقدم الحضاري. يستفزني تحجيم فطرة الإنسان وتقزيم الخير فيه وإبداله بالحروب والشرور. يستفزني الذَكر الذي يرى في زئيره مصدر قوة يفرضها على بيته ويتسيد على المرأة التي يُفترض أن يحتويها كشريك وولي.يستفزني الظلم والقهر والألم والطغيان.
أول عمل لك كان “ظلال قلب” حدثينا عنه.
هو نصوص تجمع بين السرد القصصي وشعرية السرد. يتوه القارئ للوهلة الأولى في ثنايا النص لأنه مُطعم بالرمزية، فقد اعتمدت أسلوب التفكيك النصي؛ بحيث يتوجب على القارئ التأمل في الجانب الفلسفي للغة الأدبية وربط الشكل بالمضمون للوصول للمعنى. كما قسمتُ الكتاب لفصلين أحدهما يتناول قضايا المجتمع، والآخر يحكي بلسان الأنا الجمعية للمرأة.
كتاباتك تنتمي لمدرسة الرمزية… لماذا ؟
دراستي للغة الانكليزية جعلتني انحاز للقراءة في السريالية والرمزية، فكنت أقضي الساعات في قراءة وفهم فلسفة أفلاطون وكانت وفرويد، وكان يُطلب منا تحليل نصوص مثل قصائد وليام بليك ووليام بيتلرييتس بناءً على ما طالعناه عن المذاهب الأدبية لفهم معانيها. خارج الدرس، أضع لنفسي خطة برنامج للقراءة باللغة الأم أسبوعياً، فقرأت لطه حسين وتوفيق الحكيم وجبران، وذلك شكل جانباً مهماً في وعيي بالرمزية، ومازلت أعمل على فتح عوالم التأويل للقارئ أثناء وتحليل وتفكيك بنية نصي للناقد والقارئ معاً.
تمردتِ على الشكل التقليدي للرواية في روايتك “قلقة في حقائب سفر” ألم تخش من النقاد ؟
في سردية “قلقلة في حقائب سفر” تجاوزتُ اللغة التقليدية للرواية بكشف وهدم معقد مصدره الرمز والإيحاء، فاختفت الحبكة الروائية، وبات مصدر الشعرية في التكثيف النصي والبوح بضمير الأنا عن عذابات ومكابدة الزوجة واشتياقها وحنينها لأيام تخلو من الفقد والاغتراب والغياب. من الطبيعي أن يكون للناقد وجهة نظر تختلف عن الكاتب، وتبقى الجدلية والاختلافات قائمة مع دخول أجناس أدبية كالرواية الشعرية. لي حق التجريب وللناقد حق تشريح العمل منتهجاً البحث العلمي والأدبي.
الكاتب الفلسطيني يعاني من الحصار الثقافي هل هذا يؤثر في كتاباته، مثلاً: في سرديتك “قلقة في حقائب سفر” ذكرت كلمة الاختناق كثيراً، هل هذا يعبر عن مدى معاناة الكاتب؟
الكاتب ابن الحياة والمجتمع، هو ينقل وجعه كما ينقل هموم الناس، وهو إذ يكتب عن همه تلميحاً أو مباشرة فهو يُخبِر عن واقع الحال، تحديداً فئة الشباب الذين لا يلاقون الدعم والتشجيع ويجتهدون على صنع أسمائهم في عالم الأدب الكبير. الاختناق حالة تنطبق على مسميات كثيرة منها الاحتلال والتقاليد البالية ووأد المرأة الذي وإن اختلف شكله فهو مازال موجوداً من خلال فرض قيود عليها في التعليم والعمل والأسرة.
هل نعاني من أزمة نقد أدبي في الوطن العربي، وهل هناك مجاملة على حساب المبدع الحقيقي؟
للأسف، يطلق بعض المثقفين الألقاب جزافاً، كالقول:فلان ناقد لأنه يملك رؤية نقدية ويقدم ملاحظات انطباعية على العمل، وهذا خطأ، فالنقد فن وعلم وإلمام بأسس وأحكام ونظريات تحليل النص وتقييم جودته من دون انحياز لشخص الكاتب أو طبيعة العلاقة الشخصية به. والناقد الحقيقي يوازن إيجابيات وسلبيات العمل، ولا يخرج للتنظير وإدعاء المعرفة بالشيء بحكم القراءة في المناهج النقدية أو دراستها وتناول الجانب المُحبِط للكاتب،ولا يشجعه على تطوير أدواته. نحن نعاني من خلط المسميات والمفاهيم،ونعاني من نفاق اجتماعي على حساب النص،ونعاني من كثرة أصحاب الرؤى النقدية التي تتجنى وتظلم النقاد الحقيقيين.
ماذا عن روايتك “أثلام ملغومة بالورد” ؟
عنوان الرواية أول مفاتيح النص، فالمرأة طبيبة نفسها، قادرة على انتزاع كل ثلم موجه لقتلها بتصميمها وإرادتها للحياة، لتحافظ على وردة عمرها. مجتمعاتنا العربية تختبئ خلف ستار التدين وصون المرأة وتحصيلها حقوقها التي لا نرى بالواقع شيئاً منها، كانوا يزوجونها بمن يرتضونه لها زوجاً، ومازالت بعض العائلات ترمي ابنتها، لابن عمومتها، محافظة على عادة الزواج التقليدي من الأقارب، فيتجنون عليها بالطلاق وزهق روحها حيَّة. كذلك، الزوج يعنف ويهين ويضرب وهي تسكت لتداري خوفها من حرمانها أولادها. سكوت الزوجة يقوي شوكة الزوج ليستضعف أولاده ويربي الخوف داخلهم، وهذا الخوف ليس فقط من السلطة الأبوية وإنما يرمز بصورة أشمل لعدم الثورة على كيانات أكبر من مؤسسة الزواج والأسرة. يتمادى الزوج ويحضر لزوجته ضُرة، والحِجة موجودة مشروعة له بحكم الدين “مثنى وثلات ورباع” يأخذ من الآية ما له ويترك ما يحفظ حق الزوجة في قوله سبحانه في تتمة الآية “فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم”، وينتقم من ابنته ويتوجه للقاضي لتحصيل قرار بمنع تزويجها، فأين هي القوانين والأدلة الشرعية التي تكفل حقوق النسوة بالعيش؟ هناك تماد وتعنيف من طرف آخر هو الضرة، التي تحاول التضييق على أبناء زوجها وأمهم،والزوج يساندها ويدعمها في سيطرتها تتوالى الأحداث وأبقي على النهاية “الانفراج” مفتوحة، نهاية لا تكتبها ذاتي الكاتبة،وإنما أتركها ليملأ القراء فراغها ويضعوا لها نقطة يتيمة.
فوز إبراهيم نصرالله بالبوكر العربية يعد انتصاراً للرواية الفلسطينية.. متى تصل الروائية الفلسطينية للجوائز الأدبية؟
أرى أن العمل الأدبي لا علاقة له بجنس صاحبه، وإنما بهويته الإنسانية، فالثانية تحرر الإنسان وتثري تجربته الحياتية. عندما تتجرأ الكاتبة على وضع بصمة مهمة في عالم الرواية، وتخوض بقضايا المجتمع والثقافات الأخرى بنضج ووعي وتميط اللثام عن الخجل في السرد، فالكتابة تشبه ساحة معركة أحياناً وحلبة رقص في أحايين أخرى، الكاتبة تتحكم بالإيقاع حين تقف في منطقة وسط لا تنحاز لما صنفه النقاد بالأدب النسوي لتحارب عذابات وعنفا تسبب بها الرجل، ولا تكتب من أجل الفضفضة، وإنما تجترح صوتها الخاص، بإمكانها تقمص شخصية الآخر وإن كانت قدرتها على تمثيل جنسها أقوى لدرايتها وإلمامها بطبعها ودورها ومواقف صلابتها ولينها.
هناك حضور طاغٍ لكتابة الشعر والقصة داخل فلسطين، بينما قلة من يكتبن الرواية، كذلك نجد الروائيات الفلسطينيات خارج فلسطين تحررن من قيود المجتمع وهن يطرحن قضايا خلافية تتعلق بالمرأة والوطن ومجتمعاتنا العربية، واستحققن وحصلن على جوائز عالمية وعربية أمثال سحر خليفة وحزامة حبايب وليلى الأطرش.
هناك من هن على خطى خليفة وحبايب والأطرش لكن ينقصهن القوة والجرأة في الطرح والتشجيع على الكتابة والترجمة والخروج من قوقعة النمطية و الشعرية، كما أن مجرد التفكير بالكتابة للوصول إلى العالمية يظهر جلياً أنه صنعة وملامح تكلفه واضحة.
هل ترين أن الكاتبة العربية في حاجة إلى مساحة من الحرية ؟
لو سعينا لمقاربة بين منهج الكاتبة العربية والكاتبة الغربية، وسآخذ الروائية الأميركية جين ساسون على سبيل المثال التي أثارت جدلاً واسعاً في أوساطنا العربية، اتفقنا أم اختلفنا معها فيما تطرح، بلغة سلسة بسيطة استطاعت التعمق في كتابة معاناة المرأة في الشرق الأوسط. تستند ساسون إلى تجارب واقعية، معتبرة أن الشرق الأوسط بيئة غنية بالأحداث التاريخية لمجتمعات تبني المستقبل على صراع الماضي مع الحاضر المأزوم اقتصادياً وسياسياً، ويأتي ذلك على حساب تحصيل حقوق المرأة. ساسون بحثت في أسباب ودوافع تأخر نهضة المرأة. بينما لا يتسنى لغالبية الكاتبات العربيات السفر وحضور المؤتمرات ومعارض الكتب والمشاركة الفعالة في تغيير النمط الفكري التقليدي والسائد بخصوص قضايا مصيرية كالعنف والاضطهاد وعدم المساواة في الحقوق والواجبات وعندما يكتبن يركن مشكلاتهن على الرف ويكتبن عن الوطن!
هل يحمي الأدب التاريخ من التزوير والتشويه الذي تمارسه وسائل إعلام الغرب عن قضايا العرب؟
الإعلام قناة يجب أن تتحلى بالمصداقية فيما يعنى بقضايا الشعوب، وفي وسائل الإعلام الغربية هناك تضليل واضح فيما يخص العرب والإسلام وربطه بالإرهاب وعدم التفريق بين التدين والتطرف الديني والتسيد الذكوري ووأد المرأة،كذلك يعملون على الفوارق والعنصرية بين المواطن العربي والغربي في الدول الغربية. كون الأدب مواٍزيا للتاريخ وكونه وسيلة تواصل بين الشعوب ومحط اهتمام المستشرقين،غهو قادر على تصحيح نظرة الغرب للمجتمعات العربية. الأدب وسيلة حوار تقف وجهاً لوجه أمام الغزو الإعلامي لمحو ذاكرة التاريخ، وتاريخنا مليء بالنماذج المشرفة في العلم والأدب كفيلة أن تؤكد أننا شعوب ترفض الدموية والوحشية وتسعى لبناء الحضارة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

عشرة − خمسة =