صباح الأحمد شكراً…نعم هذا هو الحل نسبة الردود 91 ٪ لكن معظمها جنح إلى التأجيل أو الدفع بعدم الدستورية

0 516

أحمد عبد العزيز الجارالله

أساس الحكم الرؤية المستقبلية الصائبة، ورسوخ الدول يكون بتمكين الأجيال القادمة من كل ما يتطلبه التقدم والتطور من أدوات معرفية، ما يؤهلها للمشاركة في النهضة التي يصنعها القرار، والكويت ليست استثناء من ذلك، لهذا تأتي المبادرات من رئيس الدولة صاحب الرؤية البعيدة، المتطلع إلى ما يمكن أن تكون عليه البلاد بعد عقود من تقدم، ومساهمة في الحركة العصرية.
كل دول العالم، حتى في أكثر الديمقراطيات صلابة، يكون القرار الأخير للحاكم، فهو الذي يقود سفينة بلاده إما إلى بر الأمان، أو يتركها تصارع الأنواء في خضم بحار الحيرة، فتسقط في شراك الأزمات، وعندها تخسر هيبتها ويموت قانونها، ليضيع شعبها بين المساومات.
صاحب السمو الأمير هو من أولئك الرجال الذين يصنعون مستقبل بلادهم بحكمة الخيارات، وحزم التوجيهات، حتى حين تتهاون أي من السلطات في عملها يدفعها إلى العمل بقرار صارم، فتخرج الحلول من الأدراج، ويبدأ التنفيذ، لذا أتت توجيهاته السامية لتخليص الكويت من صداع استمر عقوداً من الزمن، وصمها في مرحلة من المراحل بكثير من السمات المغايرة لحقيقتها الإنسانية… أقصد هنا قضية “البدون” التي هي في الواقع قضية القرن كويتياً، وقد وجه سموه أن تكون الحلول إنسانية، تعطي كل ذي حق حقه بما لا يخالف الثوابت الدستورية والقانونية، والأهم من كل ذلك التقاليد والمواثيق الإنسانية، فتقفل ملفاً فيه الكثير من المآسي.
هذا الملف الذي كان لعقود مصدر استثمار سياسي وانتخابي، ولعب على عواطف ومشاعر الكويتيين وغير الكويتيين، وتحول في مجلس الأمة موضوع صراع بين النواب، وأداة مزايدة في وجه الحكومة، إلى حد تعطلت فيه قوانين صدرت عن المجلس ذاته بشأن حل هذه القضية على مراحل، لكن الاستثمار السياسي فيها لم تكن له جدوى، فتركها اللاعبون على الرف، حتى تحولت ورقة تلوح بها بعض الجهات الدولية ضد الكويت، وزادت التبعات السلبية، فأصبحت مصدر إزعاج أمني وإنساني واقتصادي وسياسي.
صباح الأحمد الإنسان المرهف في مشاعره الوطنية، هو نفسه الأمير الذي يتابع عن كثب كل صغيرة وكبيرة، يغلب الحكمة الإنسانية على أي أمر آخر، ويدرك جيداً أين المصلحة العليا للبلاد، فيعمل من موقعه كرئيس لكل السلطات، لاستنهاض الهمم، راسماً الخطوط العريضة للحلول.
هكذا كان الأمر حين تقاعست المؤسسات المعنية بالبنى التحتية عن إطلاق المشاريع الكبرى، كمدينة صباح السالم الجامعية، وجسر الشيخ جابر والمستشفيات في عدد من المناطق، إضافة إلى استكمال البنية التحتية التي تجعل الكويت رسالة ثقافية عربية بامتياز، فكان مركز جابر الأحمد الثقافي، ونظيره مركز عبدالسالم الثقافي، إضافة إلى المؤسسات الثقافية الأخرى التي رفعت اسم الكويت عالياً في الإقليم والعالم العربي والعالم.
كل هذا كان مقدمة طبيعية لجعل الكويت مركزاً مالياً وتجارياً عالمياً، وأن تكون أيضا نقطة تواصل بين مجموعة مهمة من الدول، فجاء مشروع المنطقة الشمالية الاقتصادية، ومن ضمنه المنطقة الحرة على الحدود مع العراق، التي كانت بمبادرة من سموه في زيارته الأخيرة إلى بغداد، لتؤسس لدور اقتصادي كبير للكويت، وتكون قاعدة أساسية في إعادة إعمار العراق وسورية من موقعها الجغرافي المميز، ومن تلك الأدوات ميناء مبارك الكبير، ومدينة الحرير، وتطوير الجزر، التي تحتاج إلى تفعيل الاتفاقات والبروتوكولات التي وقعت خلال زيارته الشهيرة الأخيرة إلى الصين، كي تدور عجلة البناء.
وقبل كل هذا كانت هناك محطة سياسية تاريخية، هي حماية الكويت من فلتان الفوضى الدموية التي كان يحضَّر لها من خلال إقحامها في أتون ما سمي “الربيع العربي” حتى كادت تضيع فأتى قراره الحاسم بإعادة تصويب قانون الانتخابات وإزالة الظلم الذي اكتنفه عبر مرسوم الصوت الواحد، ما شكل منعطفاً كبيراً في الحياة البرلمانية، وتصويباً للمسار الديمقراطي، ولولا ذلك لكانت الكويت اليوم على مرجل الغليان تتقاذفها حمم الصراعات الفتنوية.
لذلك حين نقول إن الدولة تنهض بقرار من حاكمها، فإننا نستند إلى التجارب المحلية والإقليمية، فالمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات وغيرهما من الدول الخليجية، ما كان لها أن تشهد تلك النهضة التنموية والإنسانية لولا قرار حكامها.
اليوم وضعت قضية “البدون” على نار الحل، وبدأت تخفت الأصوات النشاز، وآلات العزف على التناقضات والتفاصيل التي يتسرب منها شيطان العنصرية فيؤثر سلباً بطبيعة المجتمع الكويتي المنفتح، الذي يدرك أهمية المبادرة الفردية، فيفسح في المجال للجميع كي يؤدي كل منهم دوره من موقعه، من دون أن يشعر بغبن أو ظلم، لذا جاءت الخطوط العريضة للحل، بعد عمل دؤوب يشكر عليه كل من ساهم فيه، بدءاً من رئيس مجلس الأمة، مروراً بمجلس الوزراء ورئيسه، والاستاذ صالح الفضالة، وصولاً إلى أصغر مسؤول، ليضع نهاية لهذا الملف المليء بالمشكلات الإنسانية، وكيف لا، وصاحب السمو الأمير قائد الإنسانية باعتراف أممي.
هذا هو صباح الأحمد المخضرم، الذي ندعو الجميع إلى الابتهال لله عز وجل أن يطيل بعمره كي تستمر إنجازاته الإنسانية والعمرانية والتنموية التي تعيد للكويت دورها الفاعل على المستويات كافة، وهو دور فقدناه في ظل ضجيج سوء فهم معنى حرية الرأي والديمقراطية المشوهة والقاتلة من دون ربان.

You might also like