صباح الأحمد… صرخة الحق والحقيقة والضمير

0 479

أحمد عبد العزيز الجارالله

هي نداء إلى ضمير القادة في المكونات الثلاث، خليجياً وعربياً وإسلامياً، وقراءة في واقع الحال الآخذ في التمزق من دون أن يكون هناك من يوقف هذا الاهتراء، هكذا جاءت كلمات صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد، في القمم الثلاث، في أقدس أرض الله، لتكون جرس إنذار لهذه الأمة كي تفيق من سباتها، وتخرج من ضياعها في صحراء التيه، وتعود إلى مجدها، ووحدتها، التي حضها عليها الدين الحنيف.
لم تختلف كلمات سموه عما سبقها لناحية الشفافية والانسجام مع الذات في مقاربة واقع الخليج والعالمين العربي والإسلامي، وكانت توصيفاً دقيقاً لما تعانيه هذه المنظومات التي تتسارع فيها الأحداث من دون أي تحرك جاد لوقف التردي الكبير الذي تعانيه، وانطلاقاً من هذه الحقيقة كانت خطب صاحب السمو الأمير خارطة طريق إلى المستقبل، ففيها دعوة إلى الخليجيين أن يخمدوا نار خلافاتهم، ويعودوا إلى رحاب “مجلس التعاون”، بيتهم الطبيعي إذ لا مفر لهم منه مهما تغيرت اتجاهات بعض البوصلات المرحلية، أو أخذت الريح بعض أولاده إلى أمكنة خطأ، ففي النهاية “لابد من تغليب الحكمة والتمسك بخيار الحوار لاحتواء الموقف” الذي لم يعد يسر صديقا، بينما يفرح العدو المتربص بدول المنظومة.
إنها صرخة حكيم العرب إلى القادة العرب، كي يخافوا الله بأوطانهم، ويتخلوا عن الرهانات الخاسرة على أوهام أثبتت التجارب الماضية أنها هباء وسراب يزيدهم ضياعاً، وتخلفاً، ويدركوا مدى الدمار الذي تسبب به تهاونهم في معالجة أوضاع مجموعة من الدول العربية التي وقعت فريسة الصراعات الداخلية والحروب الأهلية، وزادت من الهوان والضعف العربيين.
مواقف سمو الأمير في القمم الثلاث تشكل خطاً بيانياً ثابتاً في الرؤية، والصدق في المقاربة، والدعوة الأمينة إلى العمل على أسس واضحة، خالية من الأحقاد للسير في عملية بناء المستقبل، ليس فيها أي خطوة خطأ، أو تصرف مبعثه الحماسة والرعونة، لأنهما سيؤديان بالمنطقة إلى سلسلة لا تنتهي من الكوارث، لا يمكن لأي كان إيقافها، خصوصاً في هذه المرحلة التي تتراقص فيها الشياطين بين التفاصيل مشعلة التحريض المذهبي والطائفي الذي إذا أمسكت شرارته بثوب أحرقت كل الجسد.
لم يختلف موقف سمو الأمير صباح الأحمد في القمة الإسلامية عنه في القمتين، الخليجية والعربية، لأنه ينطلق من خبرة سياسية وديبلوماسية عريقة، كابد فيها غالبية مشكلات الأمة الإسلامية، وعمل طويلاً على وساطات بينها لحل خلافات معقدة، وكان دائماً الإطفائي الذي يخمد النيران بالحسنى، والمنقذ المسعف يداوي الجراح ويُحوِّلها فرصاً بين الأشقاء المختلفين كي يمضوا في طريق التعاون.
على هذا الأساس وضع سموه الأمور في نصابها الصحيح حين تحدث بوضوح، محدداً بكل شفافية أساس بلاء الأمة الإسلامية بقوله: “إن أمتنا تعيش أوضاعاً صعبة ومكانتها في العالم، وبكل أسف، لا تبعث على الارتياح، حيث إن 37 في المئة من سكان العالم الإسلامي تحت خط الفقر بإجمالي 507 ملايين نسمة، كما أن 61 في المئة من نازحي العالم من دول إسلامية و40 في المئة من سكان العالم الإسلامي أميون، ومتوسط البطالة يصل إلى أكثر من سبعة في المئة، وهي أرقام مفزعة ومؤلمة في الوقت نفسه وتدعونا إلى الوقوف أمامها وتأمل مدلولاتها”.
هذه المشكلات لا تعالج إلا بالحوار وفتح الأبواب بين الأخوة والأصدقاء، وتفكيك أسباب الخلاف، مهما ارتفعت درجة حرارة رؤوس أصحاب مشاريع الحروب والقلاقل، لأن فيه يزول سوء التفاهم، ويعرف المخطئ غلطه، فالأمة التي على هذه الحال، لن تقوم لها قائمة مهما كان تاريخها ثرياً، وحاضرها غنياً، فهي في نهاية المطاف تفتقد الوجهة الصحيحة في طريقها إلى المستقبل.
في كلمات الشيخ صباح الأحمد خبرة التاريخ ومشاعر الإنسان المؤمن بوطنه وأمته، وخوف القائد المحنك، لهذا قلنا إنها صرخة أمير في ضمائر حكام العالم الإسلامي.

You might also like