صباح الأحمد يتحدى لعنة الجغرافيا

ثمة قاعدة سياسية وهي أن الجغرافيا لعنة، لكن هناك قاعدة أخرى تنفيها تجري صناعتها اليوم على ايدي صانع المستقبل صاحب السمو الامير الشيخ صباح الاحمد، وهي تحويل اللعنة هبة ومنحة عبر مؤتمر اعادة اعمار العراق, الذي اذا كان بخير تكون المنطقة كلها بخير، لأن ما بين الشعوب من اواصر قربى ومصاهرة وتاريخ ولغة وعادات وتقاليد، أكبر بكثير من جرائم بعض الحكام الذين يستدرجون الويل والكوارث لبلدانهم، كما فعل صدام حسين في العام 1990.
اليوم وعشية احتفال الكويت بعيدها الوطني، ويوم التحرير، تتحول منصة لاعادة اعمار البلد الجار، تماما مثلما كانت في العام 2003 بوابة لخلاص الشعب العراقي من أكثر الجزارين دموية في تاريخه، ولذلك فإن مبادرة الشيخ صباح الاحمد نقطة تحول تاريخية، وهي تؤسس لمفهوم جديد للعلاقات بين الجيران، اساسه ان الصفحات السياسية السوداء في التاريخ لا تلغي الكتاب كله، ويمكن ان تتحول عبرة للاجيال وهي ان الحروب لا تبني دولا، ولا تشبع شعوبا، والا لما قيل قديما الجيوش تزحف على بطونها.
نعم، ثمة قضايا ثانوية لا تزال عالقة بين الكويت والعراق، لكنها لا تطغى على الجوهر الذي يجب ان ينفض عنه الغبار، بل ان تتحول محفزا على زيادة التعاون والشراكة بين البلدين، وكذلك مع دول جوار العراق المتشابهة معه بالعادات والتقاليد، واللغة والثقافة، كالمملكة العربية السعودية والاردن.
ننظر الى هذه المبادرة العظيمة على انها النافذة التي منها يدخل هواء جديد يغير ما في نفوس البعض، أي أن تكون اعادة اعمار نفوس وليس حجارة، لان من الاولى يصبح بناء الثانية اكثر متانة.
كل الغيوم السود التي تبلدت في سماء العراق كانت نتيجة انسياق قوى سياسية خلف شعارات الرجعية والتقدمية واغواءات السلطة التي اعمت اصحاب القرار السابقين عن رؤية الواقع والتعلم من تجارب الشعوب الاخرى، فيما كان الهم الخليجي عموما، والكويتي خصوصا، ان يبقى العراق سدا منيعا محميا داخليا من المغامرات الدموية والقمعية، وخارجيا من الاطماع التاريخية خصوصا لاصحاب المشروع الفارسي التوسعي الذين كشروا عن انيابهم في العام 1979 تحت نشوة الانقلاب على الشاه، متوهمين قدرتهم على تطويع المنطقة لرغباتهم الفارسية عبر اثارة فتنة المظلومية لفئة من المجتمع، وهي الفئة ذاتها التي ادركت منذ البدء ان غربان نظام الملالي تريدها وقودا لمشروعها.
لم ينس الكويتيون لحظة أن من العراق قديما، كان يأتيهم الماء والغذاء، وأنه طريقهم الى العالم القديم، وهذه الارض الغنية بالماء والزراعة، وفيها الكثير من الطاقات الخلاقة، يستطيع شعبها ان يجعلها محطة اقتصادية مهمة في العالم العربي، وعلى هذا الاساس بنى صاحب السمو رؤيته الى العراق الجار الحديث المتحرر من كل ميليشيات القتل المأجورة وان يكون بلد سلام وبناء، ولا شك ان هذا المؤتمر نجح قبل أن يعقد لأن الدول المشاركة فيه تلبية لدعوة صاحب السمو الامير تدرك ماذا يعني ان يبادر هذا القائد الانساني العالمي لهكذا مؤتمر، وهو لا شك سيكون بداية مثمرة جدا للعلاقات الكويتية – العراقية والخليجية والعربية والدولية.
هذه هي الكويت التي تحول لعنة الجغرافيا هبة سلام، وهذا هو صباح الاحمد صانع المستقبل الذي اختاره العالم قائدا انسانيا، كما اختار الكويت مركزا للعمل الانساني.

أحمد الجارالله