صحافتهم الورقية… وصحافتنا بقايا خيال

0 127

يوسف عبدالكريم الزنكوي

عدد السكان في أغلب المدن الرئيسية الغربية، مثل باريس، ولندن، ونيويورك، وواشنطن العاصمة، ولوس أنجليس، وسان فرانسيسكو، وغيرها من المدن المشهورة بالكثافة السكانية، يفوق إجمالي عدد سكان دولة الكويت.
وفي هذه الدول الغربية لا يوجد أميون، بل هم يتميزون بأنهم قراء نهمون، يقبلون على قراءة الكتب والصحف في أي مكان، ما عدا مواقع أعمالهم، أو “الدوام”، فهم يستغلون كل دقيقة في القراءة الحرة خارج نطاق العمل. ولأن الغالبية هناك تتفرغ لقراءة الصحف خلال عطلة نهاية الأسبوع، تجد أن عدد صفحات النسخة الواحدة في الصحف الغربية عموماً تصل إلى مئتين، أو ثلاثمئة صفحة، خلال هذه الفترة فقط، بينما ينخفض عدد الصفحات خلال أيام الأسبوع الخمسة بشكل ملحوظ.
رغم ذلك لا تجد أكثر من صحيفتين مشهورتين في هذه المدن الغربية، وأغلب هذه الصحف قديم، إذ يعود تارخ أول عدد منها إلى مايزيد عن 150 عاما، حتى وإن كانت هناك مزاحمة من صحف الـ”تابلويد” التي تعتمد الإثارة.
الغريب حتى وإن طبع من هذه الصحف الرئيسة مئات آلاف النسخ، إلا أنه لا يرتجع منها إلا نسبة ضئيلة، لأنهم لا يطبعون إلا بالقدر الذي يتم توزيعه فقط، مراعاة للنفقات، وحفاظاً على البيئة النباتية أو الغابات.
وبسبب الإعلام الإلكتروني، استجابت بعض الصحف الغربية للمستجدات التكنولوجية، التي تسببت بخفض عدد قراء نسختها الورقية، فاندمج بعضها مع مؤسسات صحافية أخرى، لاستعادة عافيتها الإعلامية، والبعض الآخر ألغى الطبعة الورقية، لتتحول إلى إلكترونية.
أما عندنا فالوضع الصحافي “غير”، إذ إن أقدم جريدة حالية لا يزيد عمرها على الستين عاما، تخدم سكانا لا يزيد عددهم على الخمسة ملايين نسمة، 66في المئة منهم غير كويتيين، تعليم السواد الأعظم منهم متدني المستوى، وبمعنى آخر الغالبية لا تقرأ الصحف، ورغم ذلك لدينا في السوق الكويتية المحدودة الإمكانات، أكثر من ثماني صحف يومية تطبع كل منها عشرات آلاف النسخ، والمرتجع من بعضها يزيد على نصف المطبوع. ومن لا يعرف الكويت جيداً، ويرى كثرة عدد الصحف، يعتقد أن الشعب قارئ نهم، أو كأن لدينا غابات شاسعة نستغلها في صناعة الورق، الأمر الذي يعكس غياباً قاتلاً في الثقافة البيئية.
ورغم أن العرب عموماً، ومعهم الكويتيون، لا يقرأون، أو أن من يهتم بالقراءة قليلون، إلا أن الغريب هو إقبالهم على القراءة أثناء العمل، وكأن القراءة، وليس العمل، عبادة عندهم.
وعلى النقيض من الغرب، فإن عدد صفحات الصحف الكويتية يزيد خلال أيام الأسبوع وينخفض العدد إلى النصف أحياناً خلال اجازة نهاية الأسبوع، لأن “القراء” منشغلون بمتع أخرى غير القراءة، وكأنهم يتحولون في شخصيتهم الثقافية من قراء نهمين أثناء العمل إلى كارهين للقراءة خلال أيام الراحة.
ولا توجد إحصاءات موثقة، أو حتى موثوق بها، حول عدد قراء الصحف في الكويت، خصوصاً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا الإعلام، لتعوض القراء عناء شراء الصحيفة الورقية التي تتطلب حيزاً وحملاً ونقلاً، على عكس الهاتف النقال الذي صار بحجمه الصغير صحيفة وراديو وتلفزيون وسكرتيراً ومتجراً ومكتبة إلى جانب الاتصال.
وإذا لم تكن الصحيفة جريئة في طرح القضايا الوطنية الحساسة بحيادية، حتى وإن أثارت الشارع العام، في محاولة للفت الانتباه وإبعاده عن وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقدم وجبات سريعة من الأخبار والمعلومات العامة على مدار الساعة، وإذا لم تقدر هذه الصحف المحلية على منافسة حمى انتشار مئات الفضائيات العربية، والفضائيات الغربية الناطقة بالعربية، لتقدم خلال ساعات بث متواصل حوارات شيقة وتحقيقات مثيرة وبرامج منوعة وممتعة نجحت في جذب المتلقي وإبعاده عن الإعلام المقروء تدريجياً، أقول إذا لم تكن صحفنا اليومية جريئة في تحقيق النجاح الإعلامي الذي حققته تكنولوجيا الإعلام خلال السنوات العشر الأخيرة، فإن على أصحاب هذه الصحف التفكير بجدية في موضوع الاندماج مع صحيفة أو صحف أخرى، وإلا فإن كارثة الإغلاق مقبلة لا محالة، هذا إن لم تكن واقفة على الأبواب.
…وللحديث بقية.

اعلامي كويتي

You might also like