صحوة شيعية عربية

حين حذرنا سابقا من الاستغلال العاطفي الايراني للانتماء المذهبي لشريحة عربية, لم نكن نثير نعرة طائفية او نلعب على حبال شد العصب المذهبي, هنا أو هناك, انما كنا نصوب السهم باتجاه حقيقة الذهنية الايرانية غير المرتبطة بالانتماء الديني بقدر انطلاقها من حسابات فارسية عرقية بحت تتصل بثقافة وطنية موروثة منذ آلاف السنين.
اليوم حين نعيد دق ناقوس الخطر, فاننا نلفت النظر الى وقائع بدأت تؤكد تحذيراتنا, انطلاقا من العراق الذي رأت فيه قيادة نظام الملالي حديقة خلفية تستطيع النفاذ منها الى العالم العربي مستندة في ذلك إلى شد العصب المذهبي عبر خلق شبح السعي السني الى الهيمنة على الشيعة العراقيين, فيما كان هذا البلد طوال العقود الماضية مثالا للوحدة الوطنية التي تجلت في الحرب العراقية – الايرانية عندما قاتل العراقيون, شيعة وسنة ومسيحيون وايزيديون جنبا الى جنب دفاعا عن وطنهم, ولم يخف احدهم من الاخر.
استنادا إلى هذه الحقيقة فان الصراع اليوم مع ايران ليس صراعا سنيا – شيعيا, انه صراع وطني قومي بامتياز معني به الشيعة والسنة, وهو ما أدركته شريحة عربية خدعت باللعب على الوتر العاطفي سابقا, ولذلك بدأت تترجم قناعتها هذه في التظاهرات التي انطلقت من مدن جنوب العراق, ومن مطالب حياتية لتصل في ذروتها الى المطالبة بكف اليد الفارسية عن الشأن الداخلي.
لم يكن للعراقيين ان يثوروا على المشروع الفارسي الا بعدما رأوا الويلات جراء ذلك, وكيف ايضا بمجرد ان وقعت ايران الاتفاق النووي مع الدول الست رفعت من الشوارع والمساجد شعارات “الموت لاميركا” و”الموت لاسرائيل” لتستبدلها بشعار”الموت للعرب”, فتيقنوا ان, لا سمح الله, اذا نجحت في جعل الصراع مذهبيا وانتصرت فيه لن تكون لهم الحظوة نفسها التي يتمتعون بها في اوطانهم, وهو ايضا ما بدأ يعري “حزب الله” تابعها اللبناني الذي تخلى عن حاضنته الشعبية وتركها تواجه مصيرها حتى في ابسط الشؤون الخدماتية, كالنفايات والكهرباء والماء والطبابة وغيرها, فيما همه فقط دفع شباب الطائفة الى القتال في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
نعم, ما تريده ايران هو تحقيق حلم الامبراطورية الفارسية لا اكثر ولا اقل, غير مدركة ان عهد الامبراطوريات انتهى مع سقوط الخلافة العثمانية, واستكمل دفنه مع انهيار الاتحاد السوفياتي, وان امبراطوريات اليوم هي التي تقيم علاقات تعاون مع العالم اجمع اساسها السلم والاستقرار والازدهار الاقتصادي, وليس الساعية الى تحقيق مشروعها بالفتن والقتل والارهاب, كما هي حال سياسة ايران في المنطقة حيث هي المسؤولة عن قتل العشرات في السعودية والكويت والبحرين, وتسببت بحروب في اليمن وسورية والعراق, كما دفعت لبنان الى نادي الدول الفاشلة.
ما يغيب عن بال قادة نظام الملالي هو ان لا احد في الاقليم يكره ان تكون ايران مزدهرة اقتصاديا, يتنعم شعبها بخيراته وثرواته, وان تكون علاقاتها مع دول الجوار والعالم في احسن صورها, لكن هذا لن يتحقق اذا لم تبادر هي الى التخلي عن ذهنية الارهاب وتسويق مشروعها تحت عنوان “تصدير الثورة” بالقتل والاغتيالات والتفجيرات الانتحارية والخلايا التخريبية التي تتولد من خلال الاستغلال العاطفي للانتماء المذهبي.
وفي المقابل نتمنى ان يدرك هذه الحقيقة من لا تزال تغشي بصائرهم الشعارات الفارسية الكاذبة فيكون ولاؤهم لاوطانهم لانها وحدها من تحميهم من الاذلال الفارسي الذي يمارسه عليهم اليوم بكل صلافة ضباط الحرس الثوري الموجودون في بعض الدول العربية, فهؤلاء عنوان المكتوب الايراني, كذلك علينا في العالم العربي ان نتخلى عن ذهنية تصوير الصراع أنه مذهبي لاننا بذلك نكون نخدم المشروع الفتنوي للفرس.

أحمد الجار الله

Leave A Reply

Your email address will not be published.