صدام وإيران و الأسد والخليج (4)

0 15

باسل محمد

من العام 1991 ولغاية سقوطه العام 2003، واصلت الدولة السياسية في العراق برئاسة صدام حسين، تعبئتها العسكرية وأسست جيشين،”جيش القدس” وهو رديف للجيش الشعبي الذي شارك في غزو دولة الكويت، اضافة الى “جيش فدائيي صدام”، وهي عبارة عن قوة عسكرية مدربة على حرب العصابات وليس الحروب التقليدية، كما استمر الحشد السياسي والمعنوي في صفوف حزب البعث، ومناهجه بأن هناك كرة ثانية لغزو الكويت.
أخطر من ذلك، كانت التحليلات السياسية السرية داخل صفوف حزب البعث تتحدث عن فكرة في غاية الخطورة، وهي الأتفاق مع ايران لتقاسم السيطرة على الخليج، بمعنى أن نظام صدام فكر جدياً في التواصل الستراتيجي مع النظام الأيراني لتهديد دول الخليج العربية قاطبة وليس الكويت فقط.
بغض النظر، عن ان ايران ستقبل أو ترفض، لكن النظام العراقي السابق سعى الى هذا الخيار وأتخذ خطوتين مهمتين لذلك:
الاولى: التقارب مع نظام الرئيس حافظ الأسد، وتبادل السفراء بين بغداد ودمشق أواخر تسعينات القرن الماضي. وكانت المعلومات في نطاق ضيق داخل دوائر القيادة السياسية العراقية تتحدث عن دور سوري محتمل لتحقيق تقارب بين العراق و ايران.
الثانية: التقارب بين العراق و ايران، وفتحت الحدود بينهما لجهة منفذ المنذرية بمحافظة ديالى بأتجاه بلدة خانقين الحدودية (شمال شرق بغداد)، وشكل البلدان لجنة مشتركة لتأمين زيارات ايرانية للمواقع الدينية في مدن كربلاء والنجف وسامراء والكاظمية ببغداد.
كما أن نظام صدام لوح للأيرانيين بورقة “مجاهدي خلق”، هي منظمة معارضة للنظام الأيراني، والتي سمح لها صدام بالتواجد على الأراضي العراقية وساعدها بالأموال والسلاح طيلة حربه مع ايران بين عامي 1980 و1988، وكان مستعداً، اي صدام، أن يقايض أيران سياسياً بهذه الورقة مقابل مكاسب تتعلق بمشكلات العراق مع الخليج والكويت بخاصة.
وفق كلام مسؤول في “مجاهدي خلق” التي كان مقرها في ساحة الأندلس وسط بغداد، ويدعى “نعيم” قال:” ان سقوط صدام لمصلحة “خلق” رغم أنه مشكلة لنا لأن من سيأتي بعده في الحكم هم حلفاء لأيران، وسيحاربوننا”.
ثم أضاف:” كان صدام يفكر ويخطط بأستعمال “خلق” لتقارب مع ايران على حساب الخليج”.
السؤال: هل كان صدام بالفعل يخطط لتقارب عراقي- ايراني بدعم سوري في حينه لمواجهة الخليج من الناحية السياسية والتضييق الثلاثي: صدام والأسد الأب وعلي خامنئي على المصالح الأمبريالية الأميركية في المنطقة؟
من الناحية الستراتيجية، يبدو التقارب بين العراق وايران وسورية في وقته، شبه مستحيل لكن كثير من المعطيات على الأرض لا تستبعد مثل هذا التقارب، فأيران لديها مشكلات عميقة مع السعودية والخليج على خلفية حرب الثمانية أعوام مع العراق، ووقوف الخليج مع صدام، كما أن ايران لديها مشكلات قوية مع مصر، أما الأسد الأب، فكانت مشكلاته مع السعودية في لبنان، حقيقية لأن الرياض كانت تعارض التحالف السوري- الأيراني في لبنان، وظهور “حزب الله” اللبناني كقوة عسكرية طائفية.
في حين أن نظام صدام حسين، وفي ظل عقوبات دولية قاسية، كان مستعداً أن يتحالف مع الشيطان، وليس ايران والأسد فقط، لكي يخرج من العقوبات وبالفعل، الزوار الأيرانيون الشيعة، شكلوا مصدراً للعملة الصعبة للنظام العراقي وخرقاً للعقوبات.
كما أن دمشق وبغداد كانتا تدرسان اعادة تشغيل خط انبوب النفط العراقي الممتد من حقول كركوك، شمال العراق الى ميناء بانياس بمحافظة طرطوس السورية على البحر الأبيض المتوسط.
السؤال: هل كان الخليج العربي، لديه معلومات عن ان صدام يتقارب مع الأسد الأب والنظام الإيراني وأن تهديد الخليج اكتمل بالفعل، تهديد عراقي- ايراني مزدوج؟
ايضاً السؤال الأكثر أهمية: ماذا كان يريد صدام من تقاربه مع ايران والأسد؟
بالطبع، نظام صدام سوف يحسن من وضعه الداخلي بعد تحسن علاقاته الأقليمية مع أعداءه التقليديين: ايران ونظام حزب البعث ، فرع سورية بقيادة الأسد الأب.
كما أن صدام ربما يستعمل التقارب مع الطرفين وسيلة ضغط على دول الخليج العربي لقبول صلح وازالة الحصار عنه، وبالتالي اعادة انعاش نظام حكمه المخنوق.
السؤال الآخر: هل ايران والأسد كانا مع اسقاط نظام صدام أم لا؟
بالنسبة لأيران، صحيح ان من وصل الى السلطة في العراق بعد سقوط النظام العراقي هم حلفاء ايران، لكن هذه الميزة تمت بوجود قوة عسكرية أميركية جبارة على الأراضي العراقية، وهذا لازال غير مريح وغير مطمئن لطهران، كما أن ايران لا يمكنها أن تتقبل وجود هذه القوة الجبارة على حدودها، رغم أنها كسبت نفوذاً، لكن يبقى نفوذها تحت رحمة دولة عظمى مثل الولايات المتحدة.
بالنسبة لنظام الأسد الأب: أيد التقارب مع عراق صدام لحين وفاته العام 2000، واستمر أبنه بشار الأسد على السياسة نفسها، أي التقارب وتوثيق الصلات مع بغداد، وبعد اجتياح القوات الأميركية للعراق العام 2003، لم يخف الأسد الأبن دعمه للمقاومة العراقية، حتى أنه استقبل أجنحة من حزب البعث العراقي، وكانت سورية ممراً لكل من يريد أن يجاهد في العراق ضد الأميركيين بعلم السلطات السورية، وكانت ايران تدعم المقاومة الشيعية من الجهة الأخرى، بمعنى كان نظاما خامنئي والأسد يتقاربان مع نظام صدام، وكانا مستعدين لأي سيناريو لسقوطه.
كل المعلومات من داخل العراق في حينه، تؤكد أن نظامي سورية وايران لم يكونا مع سقوط صدام، ولم يشاركا في ذلك، وكانا يتقارب بجدية مع بغداد لأن تقاربهما افضل لهما، بدليل أن سورية دخلت في حرب أهلية على خلفية الوضع في العراق والأرهاب، وهي معرضة للتقسيم وايران دخلت في دوامة عقوبات وسياسات احتواء أميركية بعد مرحلة التخلص من صدام.
على الأرجح، هذه النتائج ربما كانت محل بحث بين سورية الأسد وايران خامنئي وعراق صدام قبل سقوط الأخير، بمعنى كانت تعي هذه الأطراف الثلاثة ان دور كل منهما مقبل بشكل أو اخر.
نعم، نظام صدام كان من العام 1991 ولغاية 2003 يعبىء القوات العسكرية وشعبه لحرب جديدة يشنها على الكويت، وربما تكون هذه المرة على السعودية والكويت لأن بعض الأراء المتداولة في دوائر حزب البعث كانت تردد ان الخطأ الذي ارتكبه صدام في العام 1990 هو أنه غزا الكويت فقط، ولم يغز المنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية معها.
بحسابات عميقة، سقوط نظام صدام حسين في العراق، أزال احد التهديدين على الخليج العربي والكويت، وهو التهديد العراقي بزعامة صدام وقد جاءت محله، عملية سياسية عراقية جديدة معارضة تماماً لأي مشكلات مع الكويت والجيران جميعاً، وهي سياسة خارجية محترمة، لكن بقي تهديد آخر والذي تحول حروبا بالوكالة ضد دول الخليج، كما حاصل في اليمن، اي التهديد الأيراني، وهو يتحرك في الوقت الحالي بأتجاه العد التنازلي لسببين:
1- احتجاجات الشعب الأيراني على أوضاعه الأقتصادية.
2- السياسات الأميركية الجديدة بتعزيز العقوبات المالية والأقتصادية ضد نظام خامنئي، وربما تأتي نهاية هذا التهديد بالمدى المنظور أو القصير.
( انتهى)
إعلامي و باحث منهجي

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.