صدمات عاطفية تطفئ وهج القلوب فشل الحب وفقد أقرب الأقربين أهم أسبابها

0 312

القاهرة – فتحي مصطفى:

أحبك، ليس لحياتي طعم من دونك، سأموت بعدك. كلمات ـ تعبر عن مدى قوة وترابط العلاقة بين شخصين، سواء كانا زوجين أو خطيبين أو حتى صديقين، فقوة العلاقة بينهما تعكس مدى حجم الصدمة التي يتعرض لها طرف إذا ما فقد الطرف الآخر، فهناك حالات لأزواج لم يتحملوا صدمة الفراق بعد وفاة زوجاتهم، وهناك زوجات فارقن الحياة بعد وفاة أزواجهن، وفتيات تعرضن لأزمات صحية عنيفة جراء إصابتهن بخيبة الأمل بسبب فشل خطبتهن بعد قصة حب عنيفة، والعكس أيضاً صحيح، والأصعب من ذلك عندما تفقد أم أحد أبنائها.
صور كثيرة ومتعددة لخيبات الحب وانكسارات القلب لحالات عجزت عن تحمل لوعة الفراق، منها من فارق الحياة، ومنها من أصيب بأزمات صحية مميتة.
فيرا روستيل العجوز البريطانية التي بلغت من العمر 91 عاماً من أشهر الحالات التي تثبت ذلك، حيث فارقت الحياة بعد 4 دقائق فقط من وفاة زوجها “ويلف” ، لتطوي آخر صفحات حياتها الزوجية التي امتدت 71 عاماً، وفق صحيفة “مترو” البريطانية، وهذا مثال آخر وهو وفاة “جانيت دوكسكو” ذات الـ96 عاماً بعد زوجها “أليكسندر دوكسكو” البالغ من العمر 95 عاماً بولاية كاليفورنيا، حيث كانت أمنيتهما الأخيرة أن يموتا معاً على نفس الفراش ،وكل منهما ممسك بيد الآخر لأن كلاً منهما لا يطيق العيش إذا ما سبقه رفيق حياته إلى الموت، ولقد تعرض الزوج إلى كسر في الحوض، ما أجبره على التزام الفراش في وضعية ثابتة داخل المستشفى، ولأنه لا يطيق فراق زوجته، أصر على نقل فراشه الخاص إلى المنزل، ولقد وافته المنية بعد تدهور حالته، فطلبت زوجته من أبنائها تركها معه لبعض الوقت. تحدثت إليه، أمسكت بيده، وما هي إلا بضع ساعات حتى لحقت به في هذا الوضع الذي تمناه الاثنان.

النساء أقل
لم تكن هذه الحالات هي الوحيدة، ولكنها تكررت في صور مختلفة وأماكن متفرقة في أرجاء الأرض، وهو ما لفت نظر الأطباء والباحثين ودفعهم إلى دراسة ورصد هذه الظاهرة لمعرفة أسبابها، ووصفوها بـ”متلازمة القلب المكسور” حيث أكدوا أن أعراضها تتشابه مع أعراض الأزمة القلبية، إذ يشعر المصاب بآلام في الصدر وضيق في التنفس، وتزداد الخطورة إذا ما تعدى الخمسين من عمره. ويشير الباحثون إلى أن الإصابة بهذه المتلازمة تبدأ منذ لحظة سماع الخبر السيئ، فتنتاب من يسمعه ويهمه الأمر آلام حادة في صدره وخفقات في قلبه وصعوبة في التنفس، ويرجع ذلك إلى حدوث تشنجات في الشرايين التاجية ثم حدوث خلل في عملية تدفق الدم إلى القلب.
وتختلف القدرة على تحمل الصدمات العاطفية بسبب فقد الحبيب أو فشل علاقة الحب، أو ما شابه ذلك من شخص لآخر، إلا أن ثمة فرقاً بين قدرة قلوب الرجال على التحمل مقارنة بقلوب النساء، فتشير نتائج الدراسات إلى أن الرجال الذين يفقدون زوجاتهم تزداد لديهم فرص الوفاة بمتلازمة القلب المكسور بمعدل 18في المئة بالمقارنة بالنساء اللاتي يصل احتمال الوفاة لديهن 16في المئة.
وتشير أبحاث ألمانية أجريت في جامعة “توبنغن” إلى أن المشكلات العاطفية التي قد يتعرض لها البعض تؤثر أيضا على الجسم، وتحديداً الدماغ، حيث تتعرض بعض المناطق الدماغية إلى ضرر كبير بعد فشل علاقة عاطفية أو انفصال ، ويؤكد العلماء أن الأجزاء الأكثر تضررًا هي المسؤولة عن الحماس والمشاعر والطعام والنوم، وهو ما يترتب عليه بعض الأضرار الصحية مثل فقدان الشهية أو الضعف والوهن.
وفي بحث دنماركي أجراه عدد من العلماء أثبتوا أن “انكسار القلب” ينجم عنه عدم انتظام في ضربات القلب وهو ما يؤدي إلى الوفاة، وسجلت الحالات الأخطر بين الذين تبلغ أعمارهم أو تزيد عن 60 عامًا، كما وجد العلماء أن الفترة الأشد تأثيرًا هي التي تلي حالة الفقدان وتمتد 14 يومًا، لينخفض خطر الإصابة بانكسار القلب بعد ذلك تدريجيًا. ولاحظ العلماء أن هناك علاقة بين الحزن و”الرجفان الأذيني”، وهو النوع الأكثر شيوعًا من أنواع اضطراب ضربات القلب، بالإضافة إلى خطر الإصابة بالسكتة الدماغية أو القلبية، وبشكل عام يعد موت أشخاص قريبين جدًا مثل شريك الحياة، أحد أكثر الأحداث إجهاداً، حيث يتعرض كثيرون للإصابة بالاكتئاب وفقدان النوم والشهية.
ويشير خبراء أميركيون إلى أنه غالبًا ما تتشابه أعراض “انكسار القلب” مع أعراض الأزمات القلبية، ولكنها ليست بخطورتها، حيث تهاجم المرأة التي كانت قد تعرضت لحادث أليم بعض الأعراض المقلقة مثل ضيق في التنفس وآلام بالصدر وشعور بالغثيان وهو ما يدعو البعض للاعتقاد بأنها قد أصيبت بأزمة قلبية في بادئ الأمر، حتى الأطباء أنفسهم قد يقعون في فخ هذا الاعتقاد.

وسائل دفاعية
سألنا الدكتور هاني السبكي استشاري الطب النفسي عن مدى تأثر الإنسان بفقد من يحب، وانعكاس ذلك على حياته أو صحته الجسدية، فأكد أن ما يحدث هو نوع من الصدمات العصبية، إما نتيجة فقدان شخص عزيز أو حبيب، أو إحباط نتيجة علاقة حب لم تكتمل لأي سبب قهري ولم يتم الزواج، أو فقد وظيفة أو مال أو غيرها، كل هذه أمور يمكن أن يتعرض لها أي إنسان عادي، وتتوقف قدرة الإنسان على تحمل ما يواجهه من صدمات على قوة شخصيته، ويتشكل ذلك منذ السنة الأولى في حياة الطفل، حيث يتدرج معه في تربيته الشعور بالأمان تجاه من حوله، وشعوره وثقته بنفسه ومن حوله، ويكون الاختبار عند تعرض الطفل لأي أزمة توافق سنه العمري، مثل فقد لعبة يحبها أو كسرها، فيكون دور الأسرة تعليمه كيفية تحمل هذه الصدمة وغيرها إلى أن يصل إلى تحمل الصدمات الكبيرة التي تواجهه في حياته اليومية كلما كبر، إذن فالمسألة تخضع إلى النشأة والتربية وبث الثقة في نفس الأطفال حتى يكتسبوا الصلابة في مواجهة مجريات الحياة.
ويضيف : إذا حدث وتربى على غير ذلك، فمن المؤكد أنه سيصبح شخصًا ضعيفًا نفسيًا غير قادر على تحمل الإحباطات وبالتالي يكون عرضة للأزمات الصحية ، سواء كانت توترات في القلب أو المشاعر أو رعشة اليدين، كل هذا بسبب عدم تماسك جهازه النفسي بالصورة الطبيعية.
وهذا يحدث عند الخوف والقلق والاقتراب، وهي الوسائل الدفاعية الطبيعية في الجسم ، تتمثل في تسارع نبضات القلب فيضخ الدم لمواجهة هذه الأزمات، فتنتابه هذه الأعراض ليتخطى الأزمة، أما إذا لم يتخط الأزمة فإن الاضطرابات في جهازه العصبي اللاإرادي تستمر وتحدث له نوبات إسهال وانتفاخات في المعدة وأعراض جسدية كثيرة نطلق عليها (الأعراض النفس جسدية)، بمعنى أن الجسم يتعاطف – عند حدوث الأزمات النفسية – مع النفس ويضطرب، وهو ما يدل على رعونة الشخصية وعدم خبرتها بالحياة والتربية وعدم الثقة في النفس والاعتماد على الآخرين في الحياة.

مركز إدارة
يؤكد الدكتور هاشم بحري رئيس قسم الطب النفسي بكلية الطب جامعة الأزهر، أنه عندما يتأثر الإنسان نفسياً فإن كيمياء الدماغ تتغير، وهي التي تتحكم فيه، ويشكل الدماغ وحدة تحكم تتصل بجميع أعضاء الجسم بالتفصيل، بدءًا من شعر الرأس وحتى أظافر القدمين، كل عضو يوجد له مركز إدارة ، فإذا حدث ارتباك في جزء من الدماغ ارتبك العضو الذي يتصل به من أعضاء الجسم.
وبناء على شخصية الإنسان والمرحلة العمرية التي يمر بها تحدث تغيرات في الأعضاء التي تكون عرضة للتعب أو الاعتلال، فالفتاة على سبيل المثال التي تتعرض لأزمة عاطفية وهي في عمر الـ15 أو الـ20 عاماً تظهر لديها بقع في الجلد وتساقط في الشعر، وعندما تشكبر قليلاً في سن الـ30 تكون عرضة لحدوث مشكلات في الجهاز الهضمي، أو العصبي والقلب العصبي، وعندما تكون في سن الـ40 أو الـ50 تحدث لها آلام بالمفاصل، ومن الممكن حدوث ارتباك في أحد مراكز الدماغ ينتج عنها ضغط عصبي أو انقباضات عصبية في القلب، فيشعر الشخص أن لديه نبضة غير منضبطة في قلبه، فيعتقد أن قلبه مريض، إلا أن تعباً في الدماغ أدى إلى شعوره بهذه الأعراض في القلب، هذه أعراض نطلق عليها “نفس جسمانية” ولها علاقة بشخصية الإنسان ومرحلته العمرية.
وفيما يتعلق بمسألة موت الشخص لأنه لا يطيق الصبر على بعد حبيبه، فهذا يتوقف على إرادة الله في المقام الأول، ثم على الحالة الصحية للقلب، فإذا كان القلب طبيعيًا ولا يعاني من مشكلات، فإن حدوث الوفاة غير وارد، أما إذا كان القلب مريضًا وضعيفًا، فسيكون الضغط عليه نتيجة الحزن زائدًا وقد لا يتحمله.

تعبير أدبي
لا يقتنع الدكتور يسري عبد المحسن استشاري الطب النفسي، بفكرة أن إنسانًا يموت بسبب فقد إنسان آخر، لأن قدر الإنسان بيد الله وحده سبحانه وتعالى،ويؤكد: علميًا لا يوجد شيء اسمه متلازمة القلب المكسور، وأن هذا تعبير ليس علميًّا، وإنما هو تعبير أدبي من وحي الخيال وليس له أسس علمية نفسية. ويجب على الإنسان أن يأخذ بالأسباب، فالعاطفة عند كل إنسان تجاه الآخر تتلاشى تدريجيًّا حتى يحدث تناس واختفاء لها.
ونطلق على آثار الصدمة التي تحدث نتيجة فقد عزيز حالة اكتئاب حادة أثرت على فسيولوجية الجسم، فتكون في صورة فقدان الشهية للأكل، الوهن والتعب لأقل مجهود، زيادة في ضربات القلب، سرعة التنفس، وأحيانا نتيجة الحزن يصاب الشخص بإغماءات نفسية وليست عضوية، ويترتب على ذلك أوجاع جسمانية،واضطرابات في النوم، ورؤية كوابيس، وأحلام مزعجة،
فضلا عن الانطواء والعزلة وغيرهما.
ويؤكد الدكتور يسري أن قوة تحمل أي شخص تعود إلى العوامل التربوية منذ الصغر والتنشئة، ونتيجة عوامل وراثية، مما ترتبط أيضا بعمق العلاقة بين الشخص المصدوم وبين الشخص المفقود وشدة الترابط الوجداني والعاطفي بينهما، وهذا يحدث في حالات فقدان الأب أو الأم أو الأخ أو الأخت وما إلى ذلك، وأحيانًا صديق عزيز، وترتبط أيضا بنوع الصدمة، هل هي مفاجئة، أم بعد طول مرض، لأنه في هذه الحالة تكون الصدمة أقل.
وهناك أنواع حساسة للغاية وتفصح عن مشاعرها بسرعة، وتعبيرها العاطفي والوجداني سريع ومعلن وغير قادر على كبح جماح عاطفته، وهناك شخصية تعبيرها الوجداني أقل وهي أكثر صلابة لكن قد يحدث لها انهيار أيضا ولكن بعد تماسكها لفترة طويلة.

You might also like