صراعات الصحافة الورقية بقايا خيال

0 101

يوسف عبدالكريم الزنكوي

كلما دخلت وسيلة إعلامية جديدة حياتنا، أخذ الناس في مناقشة مستقبل الوسيلة الإعلامية القديمة التي كانت سائدة، ومدى قدرتها على منافسة هذا الدخيل.
هذا الصراع الإعلامي النفسي لا يقتصر على الشرقيين فقط، إنما هي نزعة إنسانية ترفض التجديد في البداية، وتقف في طريق الدخلاء الجدد، وحصل هذا الصراع عند ظهور السينما، ثم الراديو عندما ناقش الناس مصير الصحافة ومستقبل الكتاب في ظل الصراع الجديد في سوق الإعلام، ثم جاء بعده التلفزيون ليشهد العالم النقاش نفسه الذي احتدم حين ظهر الراديو، واليوم نرى بأم أعيننا تأثير تكنولوجيا الإعلام على حياة الناس، ووسائل الإعلام التقليدية.
المشكلة التي يواجهها الإعلام التقليدي اليوم ليس فقط في نوعية وسائل التواصل الاجتماعي، التي وفرت وسهلت كل شيء لكل إنسان على الكرة الأرضية، فاختصرت المسافات والوقت والجهد، إنما في ظهور أكثر من أداة إعلامية على الساحة خلال فترة زمنية قصيرة، فقد ظهرت الهواتف الذكية، ثم ظهر بعدها بسنوات قليلة “فيسبوك” ثم “تويتر”، ثم “واتس اب” ثم “انستاغرام”، وهكذا لم تسمح هذه الوسائل الإعلامية التكنولوجية الدخيلة بفرصة كافية لوسائل الإعلام التقليدية، لمواجهة هجوم تكنولوجيا الإعلام الكاسح، أو لإجراء تغييرات مدروسة على ستراتيجيتها التسويقة، فاستسلم بعضها وفسح المجال للدخلاء الجدد، وتكيف البعض الآخر مع هذه المستجدات ليواصل عمله المعتاد.
هذه الظاهرة ليست مقتصرة على مجتمع دون آخر، بل تشترك كل المجتمعات الإنسانية بمثل هذه الظروف، وإن اختلفت بنسب متفاوتة وفق مساحة الحرية المتوفرة لوسائل الإعلام أو للقيمين عليها. وإذا كانت استجابة وسائل الإعلام الغربية سريعة للغاية، لأنها كانت تتوقعها، فإن استجابة وسائل الإعلام العربية عموماً، والصحافة العربية خصوصاً، والصحافة الكويتية تحديداً، تعد بطيئة، ولهذا ظهرت معاناة الإعلام المقروء، بسبب مواجهة منافس تكنولوجي شرس. وعلى النقيض من توجه الإعلام العالمي إما بتخفيض المطبوعات أو الاندماج بمؤسسات صحافية أخرى، أو تطبيق ستراتيجيات تسويقية جديدة لمواجهة هذه المستجدات، ظهرت في الكويت حمى إصدار صحف يومية، حتى صار لدينا 14 صحيفة.
ومع تزايد عدد وسائل الإعلام، وتسيد الإعلام التكنولوجي، وغياب الإثارة الصحافية، وكنتيجة حتمية لانخفاض الجاذبية الإعلانية للصحافة الورقية، وبالتالي انخفاض إيرادات كل الصحف الكويتية، برزت مشكلات التمويل عند أغلب هذه الصحف، حتى القديمة منها.
ولهذا نشأت صراعات بين ملاك بعض المؤسسات الصحافية، فاختفت صحف واستمرت أخرى، حتى وصل العدد في السوق المحلية إلى ثماني صحف “تقريباً”، ومنها من سرحت عددا كبيرا من المحررين، وأبقت على أقل عدد ممكن منهم، ومنها من توقفت عن دفع رواتب لعدد غير قليل من محرريها حتى تتضح الرؤية، ومنها من توقفت عن صرف المكافآت لجميع كتابها، ومنها من اختلف ملاكها حول إما مواصلة العمل كصحيفة ورقية، أو التحول لصحيفة إلكترونية، ومنها من تلقت أنباء عن احتمال توقف الدعم المالي الذي كانت تمدها به شخصية مرموقة، ومنها من تقف على شفا حفرة من التوقف عن الإصدار.
رغم كل هذه المشكلات المالية التي تعاني منها أكثر من مؤسسة صحافية في الكويت، ورغم توفر خبرات إعلامية، إعلانية كانت أو صحافية أو فنية في كل صحيفة دون استثناء، ورغم وفرة رؤوس الأموال في خزائن كل الصحف اليومية، والتي يمكن استثمارها بشكل أفضل في مشاريع إعلامية جديدة، لتدر أرباحاً طائلة على هذه المؤسسات “مجتمعة”، إلا أننا لم نسمع حتى هذه اللحظة عن رغبة أي من ملاك هذه المؤسسات الإعلامية في الاندماج مع أي مؤسسة صحافية أخرى، لكي تظهر مؤسسة إعلامية جديدة أقوى مادياً وفنياً وإعلامياً وانتشاراً.
يحدث كل هذا اليوم رغم معاناة كل منها، بشكل أو بآخر، من “ضعف” في مواصلة إصدار الطبعة الورقية من صحيفتها، وعجزها عن اختراق سيادة وسائل التواصل الاجتماعي التي يقودها أناس غير إعلاميين.
أقول هذا لأنني أعرف أن الإعلان أين وجد ونجح في الانتشار، فهو يجري وراء القراء، الذين يركضون بدورهم وراء الإثارة الإيجابية على الأقل، إن لم تكن إثارة سلبية.
…وللحديث بقية.
اعلامي كويتي

You might also like