صلاة العصر في بني قريظة أدب الحوار وسنة الاختلاف في القرآن والسنة (2)

0 8

من مشكلاتنا اليوم التي تفاقمت في مجتمعنا عدم وجود حوار يلتزم بالآداب الإسلامية التي حث عليها القرآن وحث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته كما أن الاختلاف بين البشر هو سنة كونية يقول الله تعالى في سورة هود: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ…»، والاختلاف أنواعه متعددة فما بين أشكال وألوان، وخصائص وألسنة وعقائد. وقد عاش رسول الله ومن بعده الصحابة ثم التابعون كل هذه الاختلافات ففازوا ونهضوا بمجتمعهم وأشرقت نور الإسلام والحضارة على الكون جميعاً.

من الحوارات التي حدث فيها خلاف وانقسم الناس إلى فريقين ولم يكن هذا الخلاف من أجل مصلحة دنوية ولا منفعة شخصية وإنما كان بسب اختلاف فهم الصحابة لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهم من أصحاب كتب الحديث والسيرأن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: “لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ” فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ» .وظاهر هذا الحديث أن الصحابة رضوان الله عليهم انقسموا إلى فريقين في موقفهم من أداء صلاة العصر ورسول الله صوّب رأي الفريقين، ولم يعنّف واحداً منهم. كما ان الصحابة لمّا اختلفوا لم يطل خلافهم وإنما اهتدوا إلى ترك الخلاف لما سيلحقه بهم من ضرر كبير والانتباه للمهمة التي تحركوا من أجلها وأن كلا منهم سينفذ ما يفهمه حتى يردوا الأمر ويحتكموا فيه للرسول صلى الله عليه وسلم.
ويحكي قصة الحوار محمد بن سويلم في كتاب (السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة) قائلا: “خرج حييّ بن أخطب زعيم يهود بني نضير حتى أتى كعب بن أسد القرظي زعيم بني قريظة فلما سمع به كعب أغلق بابه دونه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له وقال:يا حيي إنك امرؤ مشئوم، وإني عاهدت محمدا عهدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. وما زال حييّ به حتى فتح له فقال: ويحك يا كعب لقد جئتك بعز الدهر، قال: وما ذاك؟ قال: لقد جئتك بقريش على قادتها وسادتها، وبغطفان على قادتها وسادتها، وقد عاهدوني على ألايبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه، فقال كعب: دعني يا حيي، فإني لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا!! وتكلم عمرو بن سعدى القرظي فذكر وفاء الرسول ومعاهدتهم إياه وقال:إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوه، ولكن حييا ما زال بكعب حتى غلبت عليه يهوديته فاستجاب له، ونقض ما بينه وبين الرسول من عهد، ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العهد إلا بني سعنة: أسد وأسيد وثعلبة، فإنهم خرجوا إلى رسول الله ووفوا بالعهد. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة، وخوّات بن جبير وقال: “انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتّوا في أعضاد المسلمين، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس”.
ويضيف محمد بن حمد الصوياني في كتاب (السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة) قال النبي – صلى الله عليه وسلم- لما رجع من الأحزاب للصحابة ومن كان معهم في الأحزاب:لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة.فأدرك بعضهم العصر في الطريق، وقال بعضهم: ” لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإن فاتنا الوقت” لا نصلى حتى نأتيها. وقال بعضهم: بل نصلى، لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي – صلى الله عليه وسلم – فلم يعنف أحدًا منهم).ثم لحق بهم -صلى الله عليه وسلم- حتى وصل إلى حصن بني قريظة. ولم يكن ذلك الحصار مهمًا إلى هذه الدرجة عنده وعند أصحابه..فلم يكن – صلى الله عليه وسلم – على عجلة من أمره في حصارهم ..فقد ذهب إلى بيته واغتسل وتطيب ولكن الله سبحانه أخرجه من بيته إليهم..فالأمر خطير جدًا وما فعله بنو قريظة أخبث مما فعله الأحزاب فلم يكن بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين قريش وغطفان معاهدة عدم اعتداء ..بل كان هناك عداوة ..أما قريظة فبينهم وبين النبي – صلى الله عليه وسلم – عهد مكتوب .. ووثيقة موقع عليها .. وجوار يجب حفظه ..لكن قريظة نسفت ذلك كله .. وخانت للمرة الثانية وتآمرت ..وطعنت من الخلف.. وإذا كان الأمر كذلك فلا غرابة أن يخرج الله نبيه إليهم بهذه السرعة .. وأن يأمر – صلى الله عليه وسلم – بعدم الصلاة إلا عند حصونهم .. إن ما فعله اليهود سيتكرر لأن محمدًا – صلى الله عليه وسلم – ليس من بني إسرائيل..وما داموا قد قتلوا أنبياء من بني إسرائيل .. فلا مانع من تكرار التجربة مع نبي ليس منهم ولن يعرف النبي – صلى الله عليه وسلم – والمسلمون طعم الراحة والأمن ما دام اليهود في المدينة .. وصل جيش الإِسلام إلى هناك ..فتزلزلت الحصون ..وارتعدت الأوصال وبدأ الخوف والضجيج والتلاوم بين اليهود وشرب بنو قريظة من الكأس الذي سقوه للمؤمنين، شاركوا في حصار المدينة .. وها هم يعيشون المأساة نفسها. وطوق جيش الإِسلام حصن بني قريظة.
وجاء في كتاب (الخلاف بين العلماء) لابن العثيمين :”فقد اختلف الصحابة في فهم حديث «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة”.. فمنهم مَن فهم أن مراد الرسول المبادرة إلى الخروج حتى لا يأتي وقت العصر إلا وهم في بني قريظة، فلمَّا حان وقت العصر وهم في الطريق صلوها ولم يؤخروها إلى أن يخرج وقتها.ومنهم مَن فهم: أن مراد رسول الله ألا يصلوا إلا إذا وصلوا بني قريظة فأخَّروها حتى وصلوا بني قريظة فأخرجوها عن وقتها..ولا ريب أن الصواب مع الذين صلوا الصلاة في وقتها؛ لأن النصوص في وجوب الصلاة في وقتها محكمة، وهذا نصٌ مشتبه. وطريق العلم أن يحمل المتشابه على المحكم.. إذن من أسباب الخلاف أن يفهم من الدليل خلاف مراد الله ورسوله».
رغم أن الخلاف كان بشأن أمر عظيم وهو الصلاة التي جعلها الله كتابا موقوتا أي محددة بأوقات ومواعيد فإن أيا من الصحابة لم يخطئ الآخر ولم يتجاوز معه وإنما احتكموا في النهاية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والرسول صلى الله عليه وسلم لم يعنف أيا منهم لأن كلا منهم اجتهد في ضوء ما منّ الله عليه من بركة الفهم ونور العلم كما تشير قصة الحوار إلى أن ما ألم ببني نضير كان بسبب رأي حاقد هو حيي بن أخطب الذي ظل يوسوس لهم حتى نقضوا عهدهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.