صنائع المعروف لا ينتهي بريقها قصص إسلامية

0 147

محمد الفوزان

قالت إحداهن:” كنت ساكنة في بيت بإحدى الضواحي، وكان لدي جيران لهم ملحق على باب الشارع، ويسكن بهذا الملحق ولد عمره ثماني سنوات في الثالث ابتدائي، ويدرس في المدرسة التي يدرس فيها أبنائي، وهو يتيم ويعيش مع عمه الغني القاسي البخيل الذي كان يهمله، ولايقوم على احتياجاته”.
اضافت ام عبدالله:” رأيته مرّة يغسل السيارات فرحمته، وأمسكت يده قلت له: يا وليدي تغسل السيارات وأنت مازلت صغيراً؟
قال: لكي أشتري أقلام ودفاتر للمدرسة، فعمي لايعطيني لأشتري حاجياتي المدرسية.
فرحمته، وقلت له: اسمع يا وليدي هذا بيتي، وأنا كل يوم سأرسل لك غداءك وعشاءك، وأشتري لك كل حاجياتك المدرسية، وسأعتبرك واحداً من أبنائي، وإذا احتجت أي شيء فأبشر به،
فكنت أتفقده واحرص عليه، وأوصيه دائماً بالصلاة والحرص على الدراسة، وعلى الصحبة الصالحة الطيبة، ومرت كم سنة وانا أعدّه واحداً من أبنائي، بعد مدة اشترينا بيتاً جديداً كبيراً في ضاحية أخرى بعيدة، وقررنا الانتقال إليه، ورغم فرحي بالبيت الجديد الكبير الجميل، إلاّ أن هناك ما يضايقني ويحزنني، لأنني سأبتعد عن هذا الولد اليتيم الذي اتخذته ولداً لي، فناديته وأخبرته بقرب انتقالنا من الحي، وأعطيته رقم التلفون، وقلت له: أي شيء تحتاجه يا خالد دق علي، انا مثل أمّك
فنزلت دموعه من الحزن، وودعته ومشيت وقلبي يتقطع عليه.
وتمضي الأيام والسنون وقلبي مع ذاك الولد، وكل ما ذكرته قمت آخر الليل أدعو له: يارب ارحم حال خالد والطف به، واحسن كفله واحفظه من الشر.
كبرت في السنّ وكبر أبنائي الثلاثة وبناتي، ومن ثم زوّجتهم، و في يوم من الايام
ظهر عليّ التعب واشتد بي المرض، فذهبت للمستشفى، قالوا لي: عندك التهاب في الصدر، فجلست عندهم كم يوم.
دخل عليّ الطبيب الاستشاري الصدري، ما شاء الله تبارك الرحمن ذاك الدكتور الخلوق الوسيم البشوش، سلّم عليّ وأخذ يسأل عن حالتي الصحية، كيف حالك ياخالة؟ بشري عساك احسن؟
قلت: الحمدلله.
فتح ملفي وقرأ اسمي، ثم تغيرت ملامح وجهه، وقال: فلانه بنت فلان الفلاني؟
قلت: نعم.
قال: أنت فلانة؟
قلت: نعم.
قال: انت أم عبدالله؟
قلت: نعم.
عرفني وانا ماعرفته!
وتغير صوته، ثم اجهش في البكاء، وقال: ألم تعرفيني أمي؟
قلت: لا والله!
قال: انا خالد اليتيم الذي رعيتيه، واحتضنته برحمتك وحنانك وشفقتك ومالك ونصائحك، لقد كبرت
ودرست، وتخرجت، وأنا الحين دكتور استشاري بفضل الله ثم بفضل رعايتك وكرمك، وتوجيهاتك لي.
فاقشعر بدني، وأخذ قلبي يرتجف كأنّي في حلم، قلت: انت خالد؟
فأخذ يقبل رأسي، ويبكي وأنا أبكي، وقلت: الحمد لله، يا وليدي أن الله تكفل بك وأوصلك الى أعلى المراتب، ماشاء الله تبارك الله.
والله يا ولدي كنت دائماً على بالي، وإذا ذكرتك دمعت عيني ودعيت لك، والحمدلله إني شفتك باحسن حال.
قال: هذا رقمي يا امي، واي شيء تريدينه مني آمري وابشري، وأنا والدكاترة والمستشفى كلنا تحت امرك.
هذه صنائع المعروف لا ينتهي بريقها، وسيظهر نورها ولو طال الزمان.
قال رسول الله( صلى الله عليه وسلم)” أحب الناس إلى الله عز وجل أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً(في مسجد المدينة)، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غضبه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رخاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له ثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام” (رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، وحسّن الألباني إسناده في السلسلة الصحيحة ح906)

إمام وخطيب

You might also like