صوته في داخلنا هو الضمير

0 205

إلياس بجاني

نعيش في وسط عالم يضجّ بالأصوات المتصارعة والمتخاصمة والآتية من كل جهة وصوب، فهناك أصوات الحق والضمير التي تدعونا للخير والسلم، وكذلك هناك أصوات الشر التي تصمّ آذاننا وتدغدغ مشاعرنا وشهواتنا.
كل صوت من الأصوات المتعارضة في مراميها ينادي علينا لنتبع ونسلك طرقه التي منها الصالح كما الطالح، والاخير طرقه أرضية وقد تؤدي بنا إلى مسارات الأبواب الواسعة (بمفهومها الإيماني)، التي ترغب بها وتشتهيها غرائزنا.
أصوات النشاز تبعث القلق في قلوبنا، والاضطراب في نفوسنا، وتشكك بإيماننا وتشتت وتبدل سلم أولوياتنا في الحياة.
نحن نعيش في جو مضطرب قلقين، وحاملين هموم اليوم والغد، ومنهمكين في تأمين مستلزمات الحياة… وما أصعبها، فبغياب أسس وصلابة الإيمان تغوينا أصوات الشر، وقد تغرقنا في ضوضاء تزيد من صممنا وحيرتنا والضياع.
أصوات الشر وإغراءاته ترافقها أضواء تبهر بصائرنا فلا نعود نسمع إلا صوت رغباتنا الغرائزية التي لا ترضي الله، وعندما يخور رجاءنا، ويقل إيماننا، نصاب بعمى البصر والبصيرة ولا يعد بمقدورنا أن نسمع غير أصوات الغرائز الترابية الفانية.
في داخل كلّ منّا وضعيتي الشر والخير، وفي حال ضعف إيماننا تتغلّب وضعية الشر ونفقد بوصلة الأولويات، وبالطبع ليس المطلوب أن نهمل ذواتنا ونتنسك وننعزل في صوامع، وليس مطلوب منا ألا نسعى لتأمين احتياجات حياتنا اليوميّة من المأكل والملبس والتّعليم، والسّعي الدّؤوب إلى التّقدّم والنّجاح، لكن علينا، بإيمان وقناعة، أن نلتزم سلم أولويات تكون في قمته واجباتنا الروحية ومخافة الله في كل أعمالنا وأفكارنا.
علينا، ورغم ضجيج الحياة الأرضية ومتطلباتها، ألا نُسكّت صوت الحق في داخلنا، الذي هو الضمير.
قد يعتقد البعض أنّ ما يطلبه الله منّا هو أن نتخلّى عن الاهتمام بأنفسنا أو بمستقبلنا أو بتحقيق ذواتنا، طبعاً لا، فيوم خلقنا الله على هذه الأرض على صورته ومثاله قال لنا:” انموا وأكثروا”، وهذا لا يعني فقط أن تمتلئ الأرض بالنّاس، “فالله يستطيع أن يخلق من الحجارة أبناء لابراهيم”، كما ورد في الكتاب المقدس.
فجوهر وصيته لنا هو”انموا” وتطوروا وحقّقوا ذواتكم في شتّى المواهب المعطاة لكم، وسيروا في هذه الحياة متنعمين بخيراتها. فجّروا طاقاتكم، واستخدموها في سبيل تقدّم الإنسانيّة، وفي كل ما هو خير وفائدة للناس أجمعين، واعملوا على أن يزداد بهاء نعمة الحياة ويبرز جمالها أيضاً… وأيضاً.
أما الغاية الأسمى لحياتنا فواحدة، وهي رضى الله والتقيد بتعاليمه التي في أولوياتها معاملة كل الناس كأخوة لنا، وهم فعلاً إخوة لأن خالقنا واحد، وهو الله جل جلاله، فرضا الله هو ملء الحياة، وهذا يعني الالتزام بالقيم وبالتعاليم وبالوصايا العشرة.
من هنا تأتي أهمية الكلمة في حياتنا بمفهومها الإيماني لأن الله هو محبة.
ننطلق من الكلمة لننمو، فتكون الكلمة أساساً لحياتنا، وداعماً لخطواتنا، فتقوى وتنمو فينا، فلا نتعثر ولا تخبو، ولا نسمح ان يجربنا الشيطان الذي هو عملياً غرائزنا ونزواتها.
بدفع من إيماننا نسير في هذه الحياة مستنيرين بالكلمة الإلهيّة، فنزداد حكمة، وتنفتح قلوبنا وبصائرنا، فنتجنّب الفخاخ والتجارب والإغراءات.
كلمة الله، كلمة حياة، وليست حروفاً نردّدها ونصوصاً تختزنها عقولنا، إنّها كلمة الحياة، ننطلق منها، نغتني بها، فنحقق ذواتنا ونبلغ أهدافنا.
هذه الكلمة، لا يمكن لأحد أن ينتزعها منّا، لأنّها متجذّرة فينا، تسكن في أعماقنا، وهي كلمة الله، ومن يستطيع أن ينتزع الله أو يفصلنا عنه؟

ناشط لبناني اغترابي

You might also like