صونيا خضر: أديبات الشرق يحملن على عاتقهن أوزار الأنوثة شاعرة وكاتبة فلسطينية تسعدها رؤية تأثير كلماتها في الجمهور حين تلقي قصائدها

0 12

القاهرة ـ آية ياسر:

شاعرة وكاتبة فلسطينية ، سبحت من عالم الشعر إلى عوالم الكتابة السردية، فأبدعت روايتها “باب الأبد” التي تتجول فى عمق حيوات النساء ورحلتهن لاكتشاف الذات، بعدما قدمت مجموعتها الشعرية “لشموس خبأتها” وديوان “لا تحب القهوة إذا” و”معطرة أمضي إليه” التي تم ترجمتها إلى اللغة الفرنسية.كتاباتها لا تخلو من شاعرية اللغة وعذوبتها والعمق الفلسفى لأفكار والبعد الوجوديز إنها الأديبة الفلسطينية صونيا خضر. حول مشوارها الإبداعي كان لـ”السياسة” معها هذا الحوار:
حدثينا عن المحطات المهمة في حياتك الأدبية وكيف انتقلتِ من عالم الشعر إلى الرواية ؟
رغم أن لكل محطة في هذه الحياة عابرة كانت أو مستديمة أهميتها، الا أن هنالك محطات مفصلية، لا تعود الحياة بعدها كما كانت قبلها. على صعيد الحياة، أعتبر محطات الفقد هي التي تركت أثراً عميقاً، وهذا الفقد هو ما وجهني إلى المحطة الأهم في حياتي الأدبية، وهو قرار النشر الذي تم تأجيله طويلاً، وقد حصل هذا في نهاية العام 2009 بإصدار ديوان “لِشموس خبأتها ” أما عن المحطات الأخرى والتي أعتبرها ذات أثر كبير فهي كل وقفة أمام الحضور استطعت فيها أن أرصد التأثر بكلماتي.

مهارة لغوية
إلى أي مدى أثّر أسلوبك كشاعرة في كتابتك للرواية من حيث اللغة والأسلوب ؟
تتطلب بالمقابل مهارة لغوية فائقة لرسم الخطوط التصاعدية للأحداث، تباطؤها وتسارعها، تقديم الشخصيات بدواخلها وعمقها وبيئتها، وصف الأمكنة والأزمنة التي تدور فيها الأحداث بحيث تعرض الرواية على أنها رواية وفقاً للمصطلح النقدي المتعلق بهذا النوع الأدبي. ورغم أن للرواية عناصر أساسية وقواعد كالشعر وبقية الأنواع الأدبية، الا أنها تحتمل تضمينها للتراكيب الفنية الجمالية ، حسب أجواء السرد، وتحتمل أيضاً الخروج عن قواعد الالتزام الكليّ بالسرد، مع مراعاة مركزيته في الرواية. وبناء على ما سبق فإن لغة الشاعرة كانت واضحة في الرواية، وخدمت البعد الفلسفي والوجوديّ الذي أردت التركيز فيه، أعتقد أن الجمالية اللغوية حققت إضافة نوعية لرواية “باب الأبد” بحيث لم تعد مجرد رواية يتم الانتهاء من قراءتها ووضعها على رف المكتبة، بل ستعاد قراءتها مرات أخرى ومن زوايا أخرى، لتتعدى فكرة الرواية إلى كتاب يجد فيه القارئ عبارات مؤثرة وقد يقتبسها ويرددها في داخله ويحفظها.
لماذا اخترت أسلوب الرسائل في جزء كبير من السرد بروايتك “باب الأبد”؟
وجدته الأسلوب الوحيد الذي أستطيع من خلاله التركيز على الأصوات الداخلية المتعددة لبطليّ هذا الجزء من الرواية، فالرسالة بالعادة تحتمل ما لا يحتمله الحوار المباشر بين شخصين، والسرد أو النقل عن الشخصية يفقد الفكرة مصداقيتها، حتى لو كان للراوي الحق في سرد التفاصيل فإن الشك سيراود القارئ حول دقّة بعض الأمور التي تم كشفها. الرسائل أسلوب مكاشفة عميق ولا يخضع بأي حال من الأحوال إلى الفبركة . الرسائل تمنح الشخصية عمقاً ومصداقية، وتكشف عن جوانب خاصة ليس بالإمكان الكشف عنها من خلال الحوار المباشر أو العاديّ.
وما سبب تقسيمها إلى أبواب ؟
لأجل تقديم الفكرة بأكثر من زاوية وأسلوب أولاً، ولأجل تقديم الرواية بأدوات سرد عدة ، فالباب الأول رسائل بين جاد وكارمن، أما الثاني فهو لشخصيات جديدة، آدم وايفيت، عن قصة حقيقية، من الممكن أن تكون امتداداً أو خروجاً إلى سطوح وزوايا مغايرة لشخصيات الباب الأول. فيما الباب الثالث حوار بين كارمن ،امرأة اللوحة والراوية ،ويعتبر حواراً داخلياً يدور في أعماق وذوات غالبية النساء.

امرأة حرة
ماذا عن شخصية “كارمن” امرأة اللوحة ، وكيف سلطتِ الضوء من خلالها على بعض قضايا المرأة ؟
كارمن ، مجموعة الأصوات الداخلية لعدد كبير من النساء، اخترتها افتراضية وغير موجودة على الإطلاق، لم أمنحها عمراً معيناً ولا شكلاً معيناً ، ولم أتطرق إلى أصولها أو حالتها الاحتماعية، جردتها من كل قيود النسب والارتباط والوطن، حاولت أن أصورها بأقرب صورة إلى امرأة حرة، لأتمكن من خلالها من الاقتراب من المسكوت عنه، الا أنني اضطررت لأن أجعلها صورة داخل إطار، وتعمدت إخفاء وجهها، ربما لأنني أجد في الإطار حماية من الحرية المطلقة، وأرغب بعرض القضية ونقيضها.
علاقة “جاد” بطل الرواية بمحبوبته شديدة الغرابة ، حدثينا عنها .
جاد، شخصية افتراضية أيضاً، الا أنني خففت من وطأة الافتراض عليه وجعلته الشخصية التي تجلس خلف شاشة الحاسوب . العلاقة بين جاد وكارمن عميقة في بعض جوانبها، تسمح بتشريح دواخل الرجل والمرأة، يتم تبادل الحديث فيها حول معاني عميقة، كالحب والعلاقة والفقر والحاجة، وما يحمي هذه العلاقة ويمنحها الاستمرارية هو المسافة بينهما وهامش الحرية والانسجام الروحي . علاقة جاد وكارمن أعمق من صداقة واكثر من حب، وتخلو من أي التزام يفسد المعنى، من خلال هذه العلاقة استطعت تشريح دواخل الرجل والمرأة ورصد الأفعال وتداعيات ردودها والأسباب ونتائجها.

نواة خصبة
تبدو الفلسفة الوجودية حاضرة بقوة في الرواية كيف مزجت بين السرد الروائي والبعد الفلسفي وبعض قضايا الإنسانية ؟
لقد تجاوزت الخط العام للسرد وقفزت خارجه أحياناً لأستطيع توجيه رسائل عدة، أطرح فيها فلسفتي ،أو لنقل مجموعة أفكاري الوجودية. كنت أكثر حضوراً وقسوة وطيبة ومكراً من شخصيات الرواية في الكثير من الأحيان، وفعلت ذلك عن طريق مداخلات فرعية، لجأت فيها إلى دور الراوي، الذي يزج بذاته بين شخصيات العمل، كون تلك الشخصيات لم تكن مؤهلة تماماً للحركة وفق التفرعات الكثيرة للرواية، حاولت إدارة خط السرد عن طريق استخدام الحدث وليس صناعته، فكل هامش ولو كان صغيراً يصلح لأن يكون نواة خصبة لفكرة فلسفية أو وجودية.
أرى أن الهدف من السرد أبعد من مجرد كتابة الأحداث أو الحدوتة، فالحكايات بغالبها متشابهة وهموم البشر وهواجسهم كذلك، وما يحدث الفرق بين رواية وأخرى هو أسلوب عرضها والهوامش التي يتم من خلالها فلسفة الحدث وتشريحه
ماذا عن الجزء الثاني من الرواية ؟
الجزء الثاني من الرواية، هو عرض للجزء الأول بأسلوب سرد مختلف، لقد حولت الشخصيات الافتراضية إلى حقيقية، واعتمدت على قصة حقيقية لنسج الأحداث، الأحداث بين الجزئين مختلفة الا أنها تدور في الفلك نفسه، وتخدم الفكرة نفسها، وتعالج الموضوعات التي تم تناولها في الباب الأول: الحاجات الانسانية، النضج، الأمومة، الحب، المرأة، الرجل، العلاقة.
الجزء الثاني من الرواية أقرب إلى الواقعية من الخيال، ويكاد يخلو من تدخلات الراوية، فقد تمت كل تلك المداخلات في الجزء الأول.
لماذا انطوت مجموعتك الشعرية “لشموس خبأتها”على عالم ذاتي تتقاسمه المرارة والحزن غالباً ويلامسه الأمل ؟
الأول، وربما الحزن الأخير، أو بداية التعافي من الحزن، جاء هذا الديوان بعد مرحلة مفصلية في حياتي.
كيف ترين المشهد الأدبي لأدباء الداخل الفلسطيني ؟
ظهرت خلال السنوات الأخيرة أسماء جديدة لمجموعة من المبدعين في الداخل الفلسطيني، الا أن المحسوبية والشللية حددت لمجموعة معينة فقط أن تكون على رأس المشهد، ما بين المشاركات الدولية والدعم اللوجستي والتكريس.
من يبرزون في الصفوف الأولى ليسوا الممثلين الوحيدين للمبدعين الفلسطينيين، ثمة غائبون ومغيبون عن المشهد يستحقون فرصهم المسروقة، ويستطيعون تصدّر المشهد بقوة وإبداع.
هل من أدباء فلسطينيين من جيل الرواد أثروا بكِ؟
ما من فلسطيني لم يتأثر بالرواد مثل محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، نعم أنا افتخر بهم جميعاً الا أنني أرفض فكرة الاستنساخ في الأدب، وأؤكد أن فلسطين ما زالت ولادة للشعر والأدب والفن، أستمتع بقراءة الرواد الا أنني لا أقلّد أسلوبهم ولا أكتب بطريقتهم فلكل شاعر بصمته الخاصة، أما المتأثرون لدرجة النسخ وإعادة الصياغة فهم أشباه شعراء ، مختبئون في جلاليب آبائهم.

الاشتباك الأزليّ
ما رأيك بواقع الأديبات الفلسطينيات حول العالم ؟
هو كواقع الأديبات الشرقيات بشكل عام، التحدي الذي تخوضه المرأة لإثبات نفسها هو ضعف التحدي الذي يخوضه الرجل، فعليها وبموازاة الاجتهاد والمثابرة، فض الاشتباك الأزليّ بينها وبين الرجل، والقفز عن العقبات التي يضعها أمامها والاحتراس من الفخاخ التي تنصب لها، الأديبة الشرقية تحمل على ظهرها وزر أنوثتها التي تحاسب عليها، ويُنظر لها ككائن ناقص عقل ودين، وتُمنح أقل مما تستحق، في فضاء احترازيّ على الدوام، ذكوري بالإجمال، لا عدل فيه ولا ضمير.
أجزم بأن هنالك أديبات فلسطينيات وعربيات متفوقات على أدباء مكرسين يشفع لهم جنسهم البيولوجيّ فقط.
الا أنني لا أنكر إن بعض النساء يساهمن بتردي الأدب بشكل عام، وأقصد اللواتي يعتبرن النواح العاطفي الركيك شعراً، ومحاولات التصيد بالإغواء ادباً ، وهذا ينطبق على الرجال أيضاً.
ماذا عن مشاريعكِ المقبلة ؟
مجموعتي الشعرية الرابعة جاهزة للنشر منذ وقت طويل، الا أنني أرغب بنشر الرواية التي أكتبها أولاً، وأتمنى إنجازها قبل نهاية هذا العام .

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.