طرائف أشعب طرائف ونوادر العرب

0 109

إعداد – إسلام مصطفى:

يحفل التاريخ العربي بالنوادر، التي قلما يوجد مثلها في أمم أخرى، نظرا لما يتمتع به العرب من خفة ظل، حتى أنهم سخروا الشعر في كثير من هذه المواقف فتحولت بها إلى نادرة، “السياسة” طافت
عبر تاريخ العرب قديمه وحديثه وقطفت بعض هذه النوادر لتقدمها للقارئ حتى ترسم على ملامحه البسمات.

أشعب من أكثر الشخصيات التي حُكي عنها الطرائف، عاش أيام خلافة الخليفة العباسي الثالث المهدي، وعُرف عنه الطمع، بل كان يُضرب المثل بطمعه، ولحبه الأكل جدًا أطلق عليه أشعب الأكول، وتناقلت كتب التراث طرائفه مع الولاة والحكام ومع الناس العاديين.
كان أشعب كما روي عنه شديد النهم للطعام، يحب الأكل ولا يحب مرافقة البخلاء لهذا السبب، وهذا ما عرض إلى كثير من الطرائف، ولذلك عندما سئل مرة:كم يساوي ضرب اثنين في اثنين؟ أجاب: أربعة أرغفة.
وفي أحد الأيام لقي أحد أصدقاء أبيه في الطريق، ولما وجد أشعب خفيف شعر اللحية، قال له صديق أبيه: ويحك يا أشعب، كان أبوك ألحى، فلمن خرجت أنت خفيف اللحية؟ نظر إليه أشعب، وقال له بلهجة سخرية: خرجت لأمي.
وكان أشعب يضجر ممن لا يدعونه إلى الطعام، وهذا ما جعله يسأل صديقًا له لم يدعه إلى الطعام ولا مرة: لماذا لا تدعوني أبدًا إلى طعامك؟ فنظر إليه صديقه، وأجابه: لأنك شديد المضغ، سريع البلع وكلما أكلت لقمة، تناولت الأخرى بسرعة كبيرة. فصاح فيه أشعب، قائلًا: جعلت فداك، أتريدني أصلي ركعتين بين اللقمة والأخرى؟
عُرف أشعب في المدينة بين الناس بأنه شديد النهم لا يجد خجلًا في الهجوم على طعام قوم يأكلون، وحفظ أهل المدينة حيله ووسائله للوصول لمبتغاه، ولذلك كانوا حريصين على ألا يأكلوا أمامه، ولهذا مرت عليه أيام لم يجد سبيلًا إلى اللقمة، حتى إن عينه لم تعد تقع على قوم يأكلون ولا إناء به طعام، ولكن القدر كان يخبئ له مفاجأة سارة، ففي أحد الأيام بينما هو يمشي على جانب الطريق رأى قوما غرباء يتغدون، فقال لهم: سلام عليكم يا معشر اللئام! وكانوا لا يعرفونه، فنظروا إليه، وقالوا: لا والله، بل كرام، فأقبل عليهم وثنى رجله سريعًا، وجلس بينهم، وهو يردد: اللهم اجعلهم من الصادقين، واجعلني من الكاذبين.ومد يده إلى القصعة التي بها الطعام، وسألهم: ماذا تأكلون؟ فتضجر القوم من فعله، ولما أرادوا أن يوقفوه، قالوا له: نأكل سمًا، لم يرجعه ردهم عن تناول الطعام، وحشا فمه منه، وقال لهم: الحياة بعدكم حرام. وأخذ أشعب يجول داخل قصعة الطعام وكأنه فارس يجول الميدان، وعندما رأى القوم أنه أغار على طعامهم وكاد أن يقضي عليه، قالوا له مستنكرين: أيها الرجل، هل عرفت أحدًا منا؟ فنظر إليهم أشعب، وهو منهمك في الأكل، وقال لهم: بلى، وأشار بإصبعه إلى الطعام، وقال: عرفت هذا.
حتى عند موته ولآخر نفس به كان لأشعب طرف نُقلت عنه، مثلما حدث معه وهو على فراش الموت، عندما دخلت عليه امرأة حاسدة بل إن عينها شديدة الإصابة للأشياء وكانت لا تنظر إلى شيء إلا دمرته، وعندما دخلت على أشعب تعوده وهو يحتضر، التفت إلى ابنته قائلًا بصوت هزيل: يا بنيتي إذا مت فلا تنوحي علي وتندبيني، والناس يسمعونك تقولين: واأبتاه أندبك للصلاة والصيام، والفقه والقرآن، فيكذبونك، ويلعنوني، ثم توجه بنظره نحو الباب فوجد المرأة الحاسدة، فغطي وجهه سريعًا بكمه، وقال: يا فلانة نشدتك الله إن كنت استحسنت شيئاً مما أنا فيه، فصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت له: سخنت عينك، وأي شيء لديك استحسنه، فأنت في آخر رمق! فنظر إليها، وقال: أعلم ذلك جيدًا، ولكن قلت أنك ربما استحسنتِ خفة الموت علي وسهولة النزع، فيشتد علي ما أنا فيه، فلملمت المرأة ذيل ردائها وخرجت من عنده وهي تشتمه، فضحك من كانوا حوله، حتى إن نساءه وأولاده لم يتمالكوا أنفسهم من الضحك، ثم لفظ أشعب أنفاسه الأخيرة.

You might also like