طرائف العرب مع المال طرائف ونوادر العرب

0 292

إعداد – إسلام مصطفى:

يحفل التاريخ العربي بالنوادر، التي قلما يوجد مثلها في أمم أخرى، نظرا لما يتمتع به العرب من خفة ظل، حتى أنهم سخروا الشعر في كثير من هذه المواقف فتحولت بها إلى نادرة، “السياسة” طافت
عبر تاريخ العرب قديمه وحديثه وقطفت بعض هذه النوادر لتقدمها للقارئ حتى ترسم على ملامحه البسمات.

المال والبنون هما زينة الحياة الدنيا، ولذلك أحب العرب أن يكون لديهم الكثير من الابناء، كما برعوا في التجارة لتجنب الفقر، الذي وصفوه بأنه رأس كل بلاء وسبب غضب الناس، فأحبوا المال وتفاخروا بجمعه، وكان لهم في ذلك طرائف عدة، حتى في اللحظات التي كان يُسرق منهم المال فيها لم تكن تخلو من الطرفة.
المال يصنع المعجزات حتى أنه جعل شيخا أعرابيًا هلكه الزمن، وقصم ظهره المرض يقفز النهر قفزة واحدة، وأصل الطرفة يعود إلى أن ملكًا رأى شيخًا قد وثب وثبة عظيمة على نهر عرضه كبير جدًا وتخطاه، تعجب الملك من ذلك، ودبت الحيرة في قلبه كيف لهذا الشيخ العجوز أن يفعل ذلك؟ وقال في نفسه لا بد أنه ساحر استعان ببني الجن ليمدوه بكل هذا الشباب.
ولكن تفسيرات الملك لم تُرح قلبه على الإطلاق، وأمر أن يأتوا به إليه، وكان له ما أمر، وعندما وقف أمامه تحدث إليه بلغة استنكارية لما فعله، وقال له: يا عجوز كيف قفزت النهر قفزة واحدة، وأنت كهل وهو على اتساعه هذا، لمعت أعين العجوز، وانطلق من ثغره قهقهة هزت جدران القصر.
غضب الملك واعتبر العجوز يستهزئ به، ولما فطن الشيخ إلى ما نما إلى ذهن الملك، فك حزامًا كان مربوطًا على وسطه، وأخرج للملك ألف دينارًا، اندهش الملك وقال: وما دخل الدنانير بما فعلت. انطلقت القهقهة مرة أخرى، وقال الأعرابي للملك: معذرة يا سيدي، ولكن المال يعيد الشايب شابًا، ويرد الصحة متى جاء.
وحتي في اللحظات التي يسرق فيها المال كان للأعراب طرائف، مثلما حدث مع أعرابي يدعى أبو جواليق المديني، الذي حمل ماله وذهب إلى السوق ليشتري حمارًا، وطول الطريق يُمني نفسه بالحمار الذي سوف يشتريه، ويقول: “سيكون حمارًا كالبغل، نشيطا وصحته تزلزل الجبال”،وأثناء استغراقه في حديثه لنفسه، التقاه صديق له، وقال له: ما بك فيما شارد، أين تريد أن تذهب؟ قال له: أريد السوق، أشتري حمارًا، فقال له صديقه: يا رجل قل إن شاء الله. نظر إليه المديني نظرة استغراب، وقال له بصوت جهوري: ليس هذا موضع استغراب، وأشار إلى كمه، أكمل حديثه: الدراهم في كمي والحمار في السوق.
وعندما وصل إلى السوق واختار الحمار الذي سيشتريه وكان فيه كل ما أراد من صفات، ومد يده في كمه وعلى وجهه ابتسامة المنتصر، سرعان ما تحولت تلك الابتسامة إلى مأتم خيم على وجهه، فلم يجد الدراهم، عاد أبو جواليق إلى داره حزينًا، وأثناء سيره في الطريق إلى بيته، لقيه صديقه مرة أخرى، فقال له: ماذا فعلت وأين الحمار؟ ألم تجد مبتغاك هناك، أم أنك صرفت نظر عن الأمر؟ ظل المديني مستغرقًا في شروده، وعندما فاق ووعى لحديث صاحبه، قال له: “سرقت دراهمي إن شاء الله”.
المال زينة الحياة حقًا، ولكنه لن يعيد المفقود، وفي بلدة أخرى كان مُقلة وزيرًا لبعض الخلفاء، فزوَّر عنه يهودي كتابًا إلى بلاد الكفار، وضمَّنه أمورًا من أسرار الدولة، ثم تحيل اليهودي إلى أن وصل الكتاب إلى الخليفة، فوقف عليه وكان عند ابن مُقلة حظية هويتْ هذا اليهودي، فأعطته درجًا بخطه، فلم يزلْ يجتهد حتى حاكى خطه ذلك الخط الذي كان في الدرج، فلما قرأ الخليفةُ الكتاب أمَرَ بقَطْع يد ابن مُقلة.
وكان ذلك يوم عرفة وقد لبس خلعة العيد ومضى إلى داره وفي موكبه كلُّ مَن في الدولة، فلما قُطِعَتْ يده، وأصبح يوم العيد لم يأتِ أحد إليه، ولا توجع له، ثم اتضحت القضية في أثناء النهار للخليفة أنها مِن جهة اليهودي والجارية؛ فقَتَلَهُما أشر قتلة، ثم أرسل إلى ابن مُقلة أموالًا كثيرةً وخلعًا سنية، وندم من فعله واعتذر إليه، فكتب ابن مُقلة على باب داره يقول:
حالف الناس والزمان.. فحيث كان الزمان كانوا
عادانيَ الدهر نصف يوم.. فانكشف الناس لي وبانوا
يا أيها المُعرِضون عني.. عودوا فقد عاد لي الزمان
ثم أقام بقية عمره يَكْتُب بيده اليسرى.

You might also like