طغيان الفردية في المعاملات الأسرية شفافيات

0 129

د. حمود الحطاب

قال الله تعالى:” يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”، أهم شروط التعامل في الحياة البشرية هو التفاهم، ولا يتم ذلك من غير تبادل الأفكار بين الأطراف التي ترغب في التعارف.
الحياة الاجتماعية عملية، فكرية ونفسية، تكاملية مشتركة لا يكون فيها طرف أعلى من اخر حتى لو تفاوتت الخبرات؛ فمن الطبيعي توقع وجود أقدار مشتركة من الخبرات تمكن الطرفين من التعاون المثمر بينهما، وتحقق التنمية لكل منهما في العلاقات الإنسانية الاجتماعية بكل أشكالها.
قلت هذا الكلام بعد ملاحظاتي العديدة لسلوكيات اجتماعية سلبية طغت؛ وهي سلوكيات الاستعلاء بالرأي، ومحاولات فرض رأي كل طرف على الآخر.
برز هذا في السلوك الأسري بين الأبناء والآباء، وبين الأزواج، والإخوة والأخوات، والأقارب والأرحام؛ والأصدقاء؛ كما برز هذا في الوظيفة والعمل، وعموم الاجتماع البشري؛ وحتى في قيادة السيارة في الشارع؛ فالكل يريد فرض أولويته على الآخر، ويرى أنه أحق بالموقف الطارئ من غيره؛ وهنا تحدث الخناقات والشجارات والمصادمات الشوارعية في كل وقت من اليوم والليلة.
الأمر خطير أإذا عرفنا أن أحد أهم أسباب بروز قيمة الفردية في التعامل راجع الى مافرضته أجهزة الهواتف الشخصية النقالة في التغذية الذهنية المستقلة التي ربت الفردية في السلوك الاجتماعي وبشكل رهيب؛ فصار التفاهم الذي يقتضي التسامح والتنازل في الرأي عملية صعبة، فالكل يرى أنه يملك الأحقية في الرأي والتوجيه والقيادة نتيجة للتغذية الفردية هذه، وعلى هذا تربى حتى أطفال هذا الجيل ممن يستخدمون هذه الأجهزة؛ فما عاد للرأي الآخر قيمة.
الأطفال والمراهقون المنكبون على أجهزة الهواتف أصبحوا يشعرون باستقلالية تامة، أو كبيرة جدا عن أولياء أمورهم؛ فلا يتقبلون توجيهاتهم، أو حتى التفاهم معهم؛ ومن هنا أصبح الطريق أمام التواصل القيمي والديني والأخلاقي والثقافي بين الأجيال في المجتمع الواحد في حالة وعرة أومسدودة، وينذر بعواقب وخيمة، آنية ومستقبلية، وهذا أخطر مافي الموضوع.
إذا بحثنا بعمق في أسباب تفشي ظاهرة الطلاق في المجتمعات لوجدنا أن الاستقلالية الوهمية التي خلقتها وربتها توجيهات الأجهزة الهاتفية بين الزوجين سبب قوي جدا، ومباشر في عدم تقبل هذه الأطراف، الأزواج، عمليات التفاهم بينهم؛ فالكل يرى في نفسه أحقية قيادة الموقف في التعامل الحياتي اليومي؛ وهكذا فقدت الحياة الأسرية خاصيتها في عملية التواصل، واختل نسيج الترابط بينها؛ ففقدت التفاهم وساد الخلاف والصراع على أحقية الرأي، والموقف أيضا، وانتشرت ظاهرة الطلاق بشكل مخيف.
راجعوا من فضلكم إحصائيات الطلاق في المجتمعات المختلفة، وبخاصة تلك التي كانت مترابطة.
المجتمع البشري في ظل ظاهرة الفردية الحديثة التي فرضتها تربية الأجهزة الهاتفية وقع في الخطر، وفاقت الحالة المتراكمة هذه سبيل فهمها ووضع الحلول لها.
المجتمعات البشرية فقدت الروح الاجتماعية والتواصل، وفقد المجتمع نسيجه ولحمته وعاطفيته ووجدانياته، وهذا خطير للغاية.
كاتب كويتي

You might also like