محبرة وقلم

“طفلة خود رداح هام قلبي في هواها” محبرة وقلم

مشعل عثمان السعيد

مشعل عثمان السعيد

هذا البيت ضمن أبيات جميلة، غناها كثير من المطربين ولاقت استحسان عشاق الطرب وراجت رواجا كبيرا، وتناقلتها الألسن، إلا أن من غنى هذه الأبيات لم يميز في لفظه بين الطفلة بكسر الطاء، والطفلة بفتح الطاء، لذلك فكثير من الذين غنوا هذه الأبيات قالوا: “طفلة خود رداح” بكسر الطاء، وفرق كبير في المعنى بين الطفلة والطَفلة، أما الطِفلة التي عناها صاحب هذه الأبيات وهي منصوبة الطاء فهي الفتاة الناعمة الرقيقة، وهي البالغة الممتلئة الجسم، والجمع منها “طفلات” يقول امرؤ القيس:
“تعلق قلبي طَفلة عربية
تنعم في الديباج والحل والحلل”
أما الطفلة بكسر الطاء فتعني: الفتاة صغيرة السن، يقول الحسن بن هانئ الحكمي (أبو نواس):
“طفلة خود رداح
هام قلبي في هواها”.
لقد أحب أبو نواس فتاة ناعمة متناهية الحسن (خود) وهي الحسنة الخلق الشابة، الرداح ضخمة الأرداف، سمينة الأوراك، هذه الفتاة شغف حبابها، ويتابع وصفها قائلا:
“قدها أحسن قد
فسلوا من قد رآها”.
يصف قدها بأنه أحسن قد، هي أفضل الناس قامة، وإذا لم تصدقوا وصفه لها، فسألؤا من رأها لتعرفوا صدق وصفي لها: ثم يقول بعد ذلك:
“ما براها الله إلا
فتنة حين براها”.
خلقت هذه الفتاة الحسناء ليفتن بها من شاهدها، لأنها بلاء وعذاب لشدة جمالها، فمن رآها أعجبته ووله بها ولها شديداً، ثم يقول الحسن بن هانئ مكملا هذا الوصف العجيب:
“تنثر الدار إذا غن
ت علينا شفتاها
وأرى للعود زهوا
حين تحويه يداها
ربما أغضيت عنها
بصري خوف سناها
هي همي ومنائي
ليتني كنت مناها”.
وفي الخود يقول عنترة بن شداد العبسي:
“كأن الثريا حين لاحت عيشة
على نحرها منظومة في القلائد
منعمة الاطراف خود كأنها
هلال على غصن من البان مائد”.
ويقول زهير بن أبي سلمى:
“وكأنها يوم الرحيل وقد بدا
منها البنان يزينه الحناء
خود منعمة أنيق عيشها
فيها لعينك مكلأ وبهاء”.
أما أبو نواس فهو الحسن بن هانئ بن جناح بن عبدالله مولى الجراح بن عبدالله الحكمي أمير خراسان، أما أبو الفرج الأصفهاني فقال: “هو الحسن بن هانئ بن عبدالأول بن الصباح”، وقال أيضا: سئل عن كنيته ما أراد بها؟ ومن كناه بها؟ فقال:”سبب كنيتي أن رجلا من جيراني بالبصرة، دعا إخوانا له، فأبطأ عليه واحد منهم، فخرج من بابه يريد من يبعثه إليه يستحثه على المجيء، فرآني ألعب مع صبيان، وكان لي ذؤابة في وسط رأسي، فقال لي:”يا حسن، امض إلى فلان جئني به”، فمضيت أعدو لأدعو الرجل وذؤابتي تتمايل، فلما جئته بالرجل، قال لي: أحسنت يا أبانواس، لتحرك ذؤابتي.فلزمتني هذه الكنية”.
أما كنيته الأصلية: أبا علي ، وقد ولد بالأهواز واختلف الناس في السنة التي ولد فيها، والمرجح أن ولادته عام 145هـ ، في خلافة أبي جعفر المنصور، ومثل ما اختلف الناس في السنة التي ولد بها، اختلفوا في السنة التي توفي فيها، فقيل: سنة خمس وتسعين ومئة، وقيل ست وتسعين، وقيل سبع وتسعين، وقيل ثمان وتسعين، والاصح تسع وتسعين ومئة، كان حسن الوجه، رقيق اللون أبيض، حلو الشمائل حسن الجسم، ألثغ على حرف الراء، يلفظها غينا، قال الجاحظ: ما رأيت أعلم باللغة من أبي نواس، ولا أفصح مع حلاوة ومجانبه للاستكراه”
وأول شعر قاله وهو في الكوفة:
“يا ظبي آل سيار
وزين صف القيان
خلقت في الحسن فردا
فما لحسنك ثان
كأنما أنت شيء
حوى جميع المعاني
لينعتنك وهمي
إن كل عنك لساني
ويلي لقد كنت عنكم
بمعزل ومكان
علقت من جل عني
وشأنه غير شاني
من ليس يطمع فيه
إلا فلان الفلاني”.
وأبو نواس من أفضل الشعراء المولدين، كجرير والفرزدق في عصر بني أمية وهو بعد، متكلما جدلا، راوية فحلا، رقيق الطبع، ثابت الفهم في الكلام اللطيف ويدل على ذلك قوله:
“يا عاقد القلب مني
هلا تذكرت حلاً
تركت جسمي عليلا
من القليل أقلا
يكاد لا يتجزأ
أقل في اللفظ من لا”.
أثنى أبو عبيدة على شعر أبي نواس، وكان يقول: “ذهبت اليمن بجيد الشعر في قديمه وحديثه، امرؤ القيس في الأوائل، وأبو نواس في المحدثين”، وقال الأصمعي:” يعجبني من شعر الشاطر:
ضعيفة كر الطرف تحسب أنها
قريبة عهد بالإفاقة من سقم
وإني لآتي الأمر من حيث يتقي
ويعلم سهمي حيث أنزع من يرمي”.
وهذا شعر أبي نواس، وسئل أبو العتاهية، وهو من الشعر بمكانة عالية، من أشعر الناس، فقال: الذي يقول:
“وما الناس إلا هالك وابن هالك
وذو نسب في الهالكين عريق”.
والذي يقول:
“إذا نحن أثنينا عليك بصالح
فأنت الذي نثني وفوق الذي نثني
وإن جرت الألفاظ يوما بمدحه
لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني”.
فقيل له: هذا كله لأبي نواس؟ قال: “هو، هو، ويعجبني لأبي نواس قوله وهي من الشعر السائر:
” يا دار! ما فعلت بك الأيام
ضامتك، والأيام ليس تضام
عرم الزمان على الذين عهدتهم
بك قاطنين، وللزمان عرام”.
ويقول فيها مادحا الخليفة العباسي محمد بن زبيدة (الأمين بن الرشيد):
” وإذا المطي ينا بلغنا محمداً،
فظهورهن على الرجال حرام
قربننا من خير من وطئ الحصى،
فلها علينا حرمة وذمام
رفع الحجاب لنا، فلاح لناظر
قمر تقطع دونه الأوهام
ملك، إذا علقت يداك بحبله
لا تعتريك البؤس والإعدام
ملك توحد بالمكارم والعلى،
فرد، فقيد الند فيه، همام
ملك أغر، إذا شربت بوجهه،
لم يعدك التبجيل والإعظام
فالبهو مشتمل ببدر خلافة،
لبس الشباب بنوره الإسلام”.
ومن أجمل خمرياته على الإطلاق قوله:
“يا شقيق النفس من حكم
نمت عن ليلي، ولم أنم
فاسقيني الخمر التي اختمرت
بخمار الشيب في الرحم”.
وفيها يصف ما تفعله الخمرة بجسد الإنسان وهو وصف لم يسبق عليه:
“فتمشت في مفاصلهم
كتمشي البرء في السقم
فعلت في البيت إذا مزجت
مثل فعل الصبح في الظلم
فاهتدى ساري الظلام بها
كاهتداء السفر بالعلم”.
جف القلم ونشفت المحبرة، في أمان الله
* كاتب كويتي
Mshal.AlSaed@gmail.com