شفافيات

طفلة لندن و»ماما زمنها جاية»! شفافيات

د.حمود الحطاب

من طرائفي في الأسفار تبكيري غير المرضي عنه من معظم الناس؛ تبكيري في الحضور للمطارات وبخاصة عندما أكون في منطقة بعيدة بالساعات عن المطار ولا أدري عن طريق مطارها شيئا فأنا أبكر كثيرا في الحضور وأحسب حساب البعيدة جدا. لكن حضوري هذه المرة مبكرا قد ضرب رقما قياسيا جعل إحدى خالات عيالنا الكريمة ترسل لنا رسالة تقول فيها كلمة واحدة: « بَدَّعتُوا» وجعلت ابني بوحمود يقول : «تبكيركم يحتاج تسجيلا في غينيس» وجعل موظفة «الكونتر» تعتذرمبدئيا عن ادخال حقائبنا انا وزوجتي للميزان ثم للطائرة حيث قالت «تو متش ايري يو آر» لكنها كانت طيبة جدا وودودة فاتصلت بعدد من الأشخاص الاداريين او الأمنيين وطلبت منهم إدخال حقائبنا التي ستكون ثقيلة علينا ونحن سنعيش معها الساعات الطوال في مكان ليس فيه تسوق ولا مطاعم واستراحات؛ فأذنوا لها مشكورين.
كم كانت حنونة وخلوقة وإنسانية تلك الموظفة الخمسينية!
ونتيجة لذلك فلقد كان لوجودنا في المطار المدة الطويلة فوائد كثيرة ومنها تسجيل ملاحظات كثيرة ومن أجملها وأكثرها تأثيرا هذه الحكاية عن طفلة وأمها:
مبدئيا وقبل أن نعرف مكان الاستراحة الخاصة التي سنذهب اليها»لونج «؛كنا نجلس في الاستراحات العامة؛ وكنت أجلس أمام مكتبة كتب في المطار، ولاحظت أنواع المشترين وتفرست في طبيعة وجوههم ونوعياتهم فيهمني أن أعرف عن طبقة القُراء للكتب؛ فلاحظت اهتمام رواد المكتبة تلك والذين همهم أكثر ماهمهم في المطار تلك الكتب وليست أنواع المطاعم ولا محلات البيع المعفية من الضرائب ونحو ذلك؛ وركزت في ملاحظاتي على أمٍّ قد بدى أنها في منتصف أو أواخر الثلاثينات من عمرها؛ ومعها طفلة في نحو التاسعة من عمرها؛ الأم وابنتها تميلان للبشرة المكسيكية الأصل؛ كانت الأم مهمومة في البحث عن كتاب معين أو كتب معينة وقد بدى من شخصيتها أنها مثقفة ؛ طبيبة أو استاذة جامعة أو نحو ذلك؛ الذي همني في مسألة هذه الأم أن ابنتها الصغيرة قد وجدت كتابا لها في المكتبة ليس كتاب أطفال – كما لاحظت- ولكنه كتاب آخر، لربما احتوى نحو خمسمئة صفحة قطع متوسط. الطفلة ظلت ممسكة بالكتاب وتتصفحه بشغف كبير؛ لاحظتها تقرأ فيه ،ولا تنظر في صور وغيرها.
وهكذا اشترت الأم ماارادت من الكتب وأرادت الخروج من المكتبة ؛ وفجأة تعلقت البنت بأمها وهي تبرطم بحزن عميق؛ البرطمة التي وراءها البكاء ولابد؛ ثم أخذت تبكي وبشكل فيه تأثر ملفت للنظر ، فانتبهت إلى أمها أنها لم تشتر لها ذلك الكتاب الذي تعلقت به. يا إلهي! إنه كتابٌ وليس لعبة أطفال للتاسعة من العمر،أو جهاز هاتف ! عادت الأم من جديد بعد ثلاث دقائق ودخلت المكتبة واشترت لبنتها الكتاب الذي رغبت به فخرجت الطفلة من المكتبة تحجل وتنط وتقفز قفز الغزال المرح لأنها حصلت على الكتاب «ابو خمسمئة» صفحة. وجلست تتصفحه قريبا منا وأمها مشغولة بكتابها الذي ظفرت به وليس خاتم ألماس يبرق أخضر وأحمر وأزرق.
وخلنا إحنا خلنا إحنا العرب والمسلمين وأطفالنا مع : ماما زمنها جاية؛ جاية بعد شوية؛ جايبة لعاب وحاجات؛ جايبة معاها شنطة فيها وزة وبطة بتقول :واك واك واك.
للحديث عن لندن تكملات لم تنته. إلى اللقاء.

كاتب كويتي