طلاق كردستان… ثمرة خيبات وبداية تقسيم

أحمد عبد العزيز الجارالله

وضع الأكراد العالم أمام حقيقة دولتهم المستقلة التي سيكون لها تداعيات كبيرة على المنطقة، ربما تصل إلى تغيرات جغرافية في كل من تركيا وإيران وسورية، إضافة إلى العراق الذي يبدو أنه بات أول الدول الخاسرة في هذا الملف، خصوصا بعد تراجع إيران عن موقفها وخروجها على إجماع الدول المحيطة بكردستان بشأن إقفال الحدود، متخلية عن الحصار حتى لو كان الانفصال الكردي يهددها مباشرة، سعيا منها إلى إقامة إقليم موالٍ لها في جنوب العراق.
الانفصال الكردي ليس وليد الساعة، إنما هو حلم تاريخي لنحو 47 مليون نسمة يقيمون على أرضهم وتتوزع السيطرة عليهم أربع دول تتحمل المسؤولية الكاملة في تعزيز روح الاستقلال لدى هذا المكون العرقي بسبب ممارساتها التاريخية معهم.
ففي العراق، الذي خاض حربا لنحو 20 عاماً مع الاكراد منذ الستينات حتى ثمانينات القرن الماضي، لم ينفذ الاتفاقات التي وقعت بين طرفي النزاع يومذاك، تماماً كما هي حاله فيما بعد العام 2003 الذي أقر دستوراً فيدرالياً لم يجر العمل به خدمة لمصالح القوى المسيطرة على الحكم، والتحالف بين القوى المحسوبة على إيران والأكراد في مواجهة القوى المناوئة لها، عبر تأجيج النعرة الطائفية التي أدت إلى حرب شيعية – سنية بوجوه مختلفة، تنفيذاً لمشروع إقامة دويلة في الجنوب ذات طابع مذهبي معين.
في خضم هذه المعمعة التي تعيشها المنطقة بعد الاستفتاء، ربما من المفيد العودة إلى مذكرات العديد من القادة الإسرائيليين، الذين ومنذ مؤتمر “بال” الشهير في أواخر القرن التاسع عشر، أجمعوا على أن الحل الوحيد لإقامة دولة يهودية آمنة ومستقرة يكون بتفكيك العالم العربي وإشعال الحروب الأهلية، طائفية كانت أو دينية أو عرقية، وهو ما تحدث عنه بوضوح كل من بن غوريون وغولدا مائير وموشي ديان، مقتدين بذلك بما كان وضعه تيودور هيرتزل في خطته لانتزاع الوطن البديل من السلطنة العثمانية، وهو ما نجحت به الصهيونية العالمية في العقود السبعة الماضية من خلال نفاذها إلى العالم العربي، وتأجيج الصراعات الداخلية، وجاءت ما تسمى “الثورة الايرانية” لتدفع أكثر نحو جعل المشروع الصهيوني حقيقة عبر شعارها “تصدير الثورة” وتعزيز الروح المذهبية بحديث قادتها المزعوم عن “مظلومية شيعية في العالم العربي، بسبب الأنظمة السنية الحاكمة”.
لا أحد يجهل في العالم العربي أن ثمة تحالف مصالح غير معلن بين إيران وإسرائيل ويظهر جلياً في العديد من الدول العربية أكان في التفكك اللبناني بفعل سيطرة “حزب الله” على قراره، أو في العراق، واليمن، وحتى في سورية التي تشهد حرباً أهلية هي في جانب منها حرب مذهبية.
للأسف إن العالم العربي يغرق بالشعارات بدلاً من السعي إلى حل مشكلاته، ففي العام 1952 قام انقلاب جمال عبدالناصر على شعار “تحرير فلسطين” وجعله قميص عثمان الذي بقي يلوح به رغم الهزائم المتكررة في الحروب مع إسرائيل التي احتلت أجزاء كبيرة من مصر وسورية والضفة الغربية وقطاع غزة في ست ساعات، وقبلها أدى ذلك الانقلاب إلى انفصال السودان، أي أن شعار الوحدة العربية الذي رفعه النظام الناصري كان في الواقع الدفع إلى الانفصال، وهكذا حصل أيضاً في اليمن بفعل تدخل ذلك النظام. ولم تختلف الأنظمة الثورية العربية عن نظام انقلاب 1952 في شيء، فالانقلابيون العراقيون أيضاً أغروا الأكراد بالحكم الذاتي من أجل ضمان تأييدهم لحركة 14 يوليو العراقية التي كانت أولى نتائجها وضع العراق على سكة التقسيم الذي ينفذ اليوم بالحرب المذهبية.
أمس أعلن الأكراد الطلاق بالثلاثة مع العراق، وبات ذلك أمراً واقعاً لن تنفع معه الحروب أو الحصار، لأن تداعيات ذلك سترتد على الدول المجاورة، أكان في تركيا حيث أكبر نسبة من الأكراد فيها (نحو 22 مليون كردي) او في إيران (نحو ثمانية ملايين كردي) أو في سورية حيث يوجد نحو ثلاثة ملايين كردي أيضاً، وكل هؤلاء يتصلون جغرافياً، وثمة من يؤيد حصلوهم على الاستقلال في المجتمع الدولي الذي يتعامل مع قضايا الدول من منطلق المصالح وليس العواطف، ولهذا فإن الحديث عن حرب لإعادة كردستان إلى بيت الطاعة العراقي ليس واقعياً، لأن لا تركيا ولا إيران على استعداد لخوضها، فيما العراق وسورية غارقان بحروبهما الأهلية، وخاضعان في الوقت نفسه للإملاءات الايرانية التي سمحت بإجراء انتخابات محلية في الفيدرالية السورية للأكراد قبل أسابيع.
هذا الواقع يفرض على الجميع إعادة النظر بالحلول المطروحة والسعي إلى الاعتراف بالحقيقة التي أثبتت التجارب في العقود الثلاثة الماضية نجاحها، وهي الاتحادات وفقاً للنموذجين الأوروبي والخليجي، أي أن يكون هناك اتحاد موسع تُقبل فيه العرقيات والإثنيات بدلاً من التمسك بسيادة مهلهلة تتنازعها مصالح إيرانية وتركية، فيما يدفع العرب ثمنها تقسيماً لدولهم، وهم غارقون في مشكلاتهم المفتعلة أو يتراشقون التكفير في الأرض طمعاً في جنة السماء، من دون أن يردوا الأذى الذي يفتك بهم.