طهران… الجزرة أو العصا

0

للمرة الأولى منذ سنوات يشعر سكان الشرق الأوسط بجدية الولايات المتحدة في العمل على إنهاء ما يهدد استقرار المنطقة والعالم، وبعيدا عن الحسابات الخاصة بالنفط والمصالح الموقتة، هذه الجدية ظهرت في سلسلة الإجراءات التي اتخذتها إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد ايران بوصفها راعية الارهاب الاولى عالميا.
صحيح أن الادارات الاميركية في العقود الماضية كانت تقيس موقفها من قضايا المنطقة وفقا لأمرين، الاول اسعار النفط وتأثيرها على الناخب الاميركي، والثاني المصلحة الاسرائيلية، بل كانت دائما تقدم الثانية على مصالح الحلفاء الآخرين، لكن هذه الصورة تغيرت مع تغير المزاج السياسي، الشعبي والرسمي، في الاقليم بعد سنوات من الاختبار الدموي الذي فرضته ايران على الشعوب، وأسقطت خلاله كل المحرمات، عبر افتعالها الفتن المذهبية والطائفية.
التناقضات بين العواصم العربية وحليفتها واشنطن، برزت أكثر عندما شعرت الاولى ان البيت الابيض في ظل ادارة الرئيس السابق باراك اوباما يسعى الى إنقاذ نظام الملالي من الهاوية عبر اتفاق نووي مليء بالعيوب القاتلة، ما أعطى طهران رئة تتنفس منها ارهابيا عبر مليارات الدولارات التي ضخت في خزينتها، وهو ما رأت فيه الدول العربية انحيازا شبه واضح الى جانب نظام الملالي وتخليا عن الحلفاء التاريخيين.
اليوم، وبسبب توحد الموقف من العدو المتربص بالاقليم، واتساع رقعة تهديده لتنال اسرائيل بالدرجة نفسها التي تقلق بها شعوب المنطقة، رأت الولايات المتحدة ان لا مفر من المواجهة، المباشرة او غير المباشرة، لا سيما بعدما اكتسحت موجات الارهاب المدعوم من نظام طهران، اوروبا والولايات المتحدة ودول “مجلس التعاون” الخليجي، وهو أشبه بما حدث في العام 2003 حين وجدت هذه الدول ان نظام صدام حسين تحول مهددا للاستقرار العالمي، من خلال تلويحه بأسلحة دمار شامل لاحراق اسرائيل والدول العربية الاخرى.
هذه الجدية الاميركية اختبرت في الاجتماع الديبلوماسي الموسع في العاصمة واشنطن، الذي دعت اليه الخارجية نحو 200 سفير كي تشرح لهم حقيقة وضع النظام الايراني وتقدم الادلة على تهديداته، لا سيما في موضوع تخصيب اليورانيوم للاستخدام العسكري، والصواريخ البالستية بعيدة
المدى.
صحيح في العقود الاربعة الماضية غضتالولايات المتحدة الطرف عن النشاط الارهابي لايران في لبنان والعراق واليمن والبحرين والمنطقة الشرقية السعودية، وشراء العملاء والمخربين، اضافة الى مشروع فرض التشيع بالارهاب في عدد من دول العالم، اذ رغم ادراجها عصابات موالية لايران على قائمة الارهاب، لكنها لم تصل بإجراءاتها الى مرحلة تجفيف منابع التمويل عنها، وهو ما بدأته اخيرا حين رأت ان هناك ترابطا عضويا بين “القاعدة” و”داعش” و”حزب الله” وغيرها من البنادق المأجورة، وان غرفة العمليات التي تحركها واحدة وهي موجودة في طهران.
نعم، المواجهة بين الولايات المتحدة والحلفاء الشرق اوسطيين من جهة، وايران من جهة اخرى باتت شبه قريبة، وهي مرهونة بموقف طهران من دفتر الشروط الاميركي فإما تنال الجزرة مكافأة لها، او تجلدها العصا الدولية الغليظة ويتخلص العالم من بعبع يتغذى على شعارات ونهج موروث من زمن الاكاسرة.
أخيرا كان يمكن لطهران ان توفر على نفسها وعلى شعبها كل هذه المتاعب لو اعتمدت علاقات ودية مع جيرانها والعالم، لكن قيل قديما:

” لكل داء دواء يستطب به
إلا الحماقة أعيت من يداويها”

فكيف اذا كانت مجموعة من الحمقى تتحكم بمصير 80 مليون نسمة؟

أحمد الجارالله

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

5 × 1 =