ظريف و إيران والريادة في صناعة التطرف و الإرهاب

داود البصري

يبدو واضحا أن ديبلوماسية النظام الإيراني باتت تعتمد الكذب البواح والصريح بمثابة ستراتيجية لتسويق السياسات وإدامة الحوار مع دول الجوار عن طريق الخديعة وإطلاق التصريحات الهوائية.
ففي إطلالته الأولى بعد الاتفاق الإيراني-الغربي حول الملف النووي, قام وزير خارجية النظام الإيراني محمد جواد ظريف بزيارة توضيحية لكل من الكويت وقطر والعراق, وقد صرح خلال تلكم الزيارات سلسلة تصريحات مثيرة للتساؤل وحيث بدأ من دولة الكويت إطلاق تصريحات ساخنة تدعو الى تكوين حلف إقليمي لمكافحة ما أسماه التطرف, وهي مطالبة غريبة للغاية تؤكد أن السيد ظريف يتظارف كثيرا ويبتعد عن ملامسة الحقائق التاريخية والموضوعية , ويعمد بأسلوب ديبلوماسي مراوغ لكنه مكشوف لخلط الحقائق, والتجاوز على مسلمات ميدانية, وملفات شائكة عاشتها شعوب المنطقة بأعصابها ودمائها , وتضحياتها.
قد تبدو فكرة تكوين حلف إقليمي مناوئ للتطرف فكرة رومانسية للغاية فيما لو صدرت من طرف آخر غير إيران, أما أن تصدر من النظام الإيراني وآلته الديبلوماسية تلك المطالبة فهو أمر مثير للتأمل والتعجب أيضا, فالتطرف الذي يتحدث عنه ظريف يبدو أنه قد تناسى حقيقة مصدره ومنبعه وأسسه التكوينية? والمنطلق من إيران تحديدا , وهو موضوع ليس جديداً أبدا, بل أنه معاناة حقيقية تعيشها المنطقة وهي تئن تحت سطوة وسيوف وقنابل الإرهابيين والمتطرفين الذين كانت بداياتهم وبواكيرهم من ضمن اٍروقة الأجهزة التبشيرية في النظام الإيراني, وتاريخ الإرهاب الإقليمي في الشرق الأوسط حافل بالشواهد والأدلة التي لا تقبل الدحض والتي تملأ المجلدات في صفحاتها الدموية السوداء منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى اليوم, رغم أن مياه ودماء عديدة جرت تحت كل الجسور, وأنظمة عديدة قد سقطت, وتحولات كبرى عاشتها المنطقة, مع تضخم دور الجماعات المتطرفة التي تمكنت من إجتياح معاقل مركزية ومهمة في الشرق العربي, محمد جواد ظريف وهو يدعو للحلف ضد الإرهاب والتطرف قد قفز على حقيقة دور الأجهزة الثورية الإيرانية في خلق الجماعات الإرهابية التي تعاني منها المنطقة, سواء في العراق الذي تحول لمنطقة نفوذ إيرانية خالصة, أو في سورية التي دفع النظام الإيراني لها نخبة قواته في الحرس الثوري وأوعز لربيبه “حزب الله” اللبناني بإرسال عناصره ومقاتليه لقتل الشعب السوري وإحتلال المدن السورية المنتفضة , من دون تجاهل دور الميليشيات الطائفية العراقية في تصعيد أوار الحرب السورية والتدخل في الشأن السوري تحت الدوافع والشعارات الطائفية المحضة.
ظريف وعبر ديبلوماسية القفز على الحقائق يتجاهل حقيقة إن الإرهاب والتطرف قد عشعش في المنطقة قبل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية بكثير, وأن التحشيد الطائفي الذي مارسه النظام الإيراني وأفرز ميليشيات قتل وإرهاب على الهوية الطائفية قد سمم فضاء الشرق الأوسط بصراعات متجددة وطويلة تغذيها روح التعصب الطائفي, ففي جنوب الجزيرة العربية ومن خلال دعم العصابات الحوثية تدور عجلة الإرهاب بأبشع صورها ضد حرية وسلام وأمن الشعب اليمني وبما يهدد السلام الإقليمي في الخليج العربي أيضا, وفي العراق تحول تطرف الميليشيات الطائفية المنزوية ضمن آطار الحلف الإيراني لعمليات قتل ممنهجة ضد أهل السنة ولفرض تغيير ديموغرافي يدعم ويغذي الإرهاب و لا يستأصل شأفته, بل على العكس تماما فإن إصرار التظام الإيراني على مخالفة منطق التاريخ ودعم النظام السوري تلبية لأهواء ومصالح طائفية هو أكبر عامل في دعم الإرهاب?, لايمكن للدعوة الإيرانية لإقامة حلف ضد النطرف أن تكون واقعية ومنطقية والسياسة الإيرانية تدار بأسلوب مخالف تماما لما يدعو له ظريف الذي لايمكن ابتساماته أن تمحو حقائق مرة وملفات سوداء تعيشها المنطقة, فها هي التهديدات الإيرانية ضد البحرين والمستمرة فصولا تؤكد عدم الجدية الإيرانية? وها هي جرائم فيلق القدس للحرس الثوري في العراق والشام ضد الشعبين العراقي والسوري تؤكد أن دعوات ظريف مجرد مضيعة للوقت ولعب في الزمن الضائع, وهي تطمينات ديبلوماسية ناعمة لا تعكس أبدا حقيقة مواقف المتطرفين النافذين في الإدارة الإيرانية الذين يديرون الأمور برؤى طائفية ووفق أجندات تبشيرية وأهداف ستراتيجية لا تخطئ العين الخبيرة قراءة دلالاتها, دعوات ظريف السلمية والمتصالحة ينبغي أن تقترن بأفعال إيرانية على الأرض في ساحات العراق والشام واليمن, أما التمنيات والوعود والإبتسامات البروتوكولية, فهي رأسمال المفلسين… بصراحة فإن السياسة الإيرانية على المحك, وهذا الميدان يا حميدان.

كاتب عراقي
dawood.albasri@hotmail.com