عائشة الحرة وفاطمة المجريطية من ألمع نساء الأندلس فردوس المسلمين الضائع - 22

0 130

إعداد – محمود خليل:

عانى المسلمون في الأندلس، كثيراً من ظروف القهر والرقابة الدائمة التي فرضت عليهم بعد سقوط الأندلس، التي كانت محاكم التفتيش المعينة من طرف الكنيسة مسؤولة عن ترتيبها وتنفيذها.
أدت تلك الرقابة الصارمة إلى نفور شديد من قبل الموريسكيين من كل ما يأتي من قبل السلطات الصليبية، فبعد الذوبان الاجتماعي للأندلسيين القشتاليين وأندلسي الغرب، ثاروا على المسيحية التي فرضت عليهم، وبدأوا في البحث عن جذورهم الإسلامية العربية المفقودة. زاد من حدة تحول هؤلاء الاندلسيين، الذين اجبروا على اعتناق المسيحية – المسيحيون الجدد كما كان يطلق عليهم – طرد أندلسيي غرناطة إلى مناطق تواجدهم، اذ وجدوا في الأندلسيين القدامى في غرناطة، ما فقدوه قبل قرون، كما أجبر تواجدهم النصارى القدامى على عدم نفورهم من أهل غرناطة على النصارى الجدد.
لم يمر وقت طويل حتى التحم أندلسيو غرناطة مع باقي الأندلسيين في شتى المقاطعات الخاضعة لحكم القشتاليين، ما نتج عنه فئة جديدة نتيجة ظلم محاكم التفتيش، أسموها “الموريسكيون”، شكلت عنصراً جديداً في التركيبة السكانية والاجتماعية في الأندلس.

يحتفظ التاريخ بسيرة امرأتين أندلسيتين، يمكن أن يطلق على كل منهما لقب “المرأة الحديدية”، الأولى “عائشة الحرة”، والثانية “زينب النفزاوية”، لما كان لهما من تأثير واضح في الحياة السياسية الأندلسية، هناك أيضا “فاطمة المجريطية”، التي قدمت مساهمات علمية وفلكية ما زالت تدرس حتى اليوم.
كانت عائشة بنت محمد ابن الأحمر ملكة غرناطة، امرأة ذات شخصية قوية تتسم بالذكاء، قادرة على اتخاذ قرارات مؤثرة في الحياة السياسية للمملكة، لتأمين مستقبل ابنها البكر في مملكة غرناطة الناصرية، حياتها الغنية بالأحداث جعلتها موجودة في الأدب حتى يومنا هذا. ويكفي أنها حاربت من أجل حقوقها وحقوق ابنائها بقوة غير معتادة بالنسبة لامرأة في القرن الخامس عشر، هذا النضال حوله الأدب الرومانسي إلى دراما من مشاعر الغيرة والانتقام.
لقبت بـ “عائشة الحرة، الأمينة، الشريفة”، بينما عرفت في التراث الإسباني باسم “عايشة”، أم آخر ملوك غرناطة، التي تعد من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ الأندلس، فهى ابنة ملك غرناطة محمد العاشر، بينما يذكر بعض المؤرخين انها ابنة محمد الثامن.
أصبحت سلطانة بعد زواجها من الملك أبي الحسن علي، الذي انجبت منه، أبو عبد الله محمد، وأبو الحجاج يوسف، كما انجبت ابنة وحيدة اسمتها عائشة، لكن السلطان أغرم بأسيرة مسيحية تدعى “ايزابيل دي سوليس”، أسرت فيما يعرف اليوم باسم “برج الأسيرة” في قصر الحمراء، عرفها الغرناطيون باسم “ثريا” بعد اعتناقها الإسلام.
اشتعلت الغيرة بين ثريا وعائشة، إذ شعرت الأخيرة بالخوف على إرث ابنائها، عدم ثقتها في نوايا السلطان، وثريا كانت تسعى لديه ليجعل أحد أولادها وليا للعهد بدلًا من ابني عائشة، لذا تعاونت مع بني سراج للإطاحة بالسلطان وتعيين ابنها أبي عبد الله مكانه، بعد تحريره من أحد أبراج قصر الحمراء، حيث كان سجينًا بأمر من والده السلطان.
حثت عائشة ابنيها على الفرار إلى وادي آش حيث نصب ابو عبد الله ملكًا لغرناطة، بعد حرب أهلية دموية، وعندما وقع أسيرًا لدى القشتالين في معركة لوسينا “ظاهر قلعة اللسانة”، تفاوضت معهم وتم تحريره.
استمرت في النضال، شهدت أحداث غرناطة، ثم رحلت وابنها إلى المنفى، في “البشرات”، بعد دخول القشتاليين غرناطة، ثم رحلا إلى فاس حيث كان مثواها الأخير.
كانت عائشة استلمت من أختها “أم الفتح”، منزل زهير، الذي بيع للفارس المسيحي “لويس دي بالديفيا”، بمبلغ ألفين وخمسمائة ريال فضية، ثم أصبح بعد ذلك من أملاك الملوك الكاثوليك.
يوجد حتى اليوم، في غرناطة، قصرها الذي يسمى “دار عائشة الحرة”، كما يوجد به مكان للألعاب النهرية في الصيف، مصمم بنظام هيدروليكي، كان يحتفظ ببعض الجدران لسنوات قريبة، لكنه بدأ في الانهيار مع عملية تخطيط الطرق في المدينة، التي قسمته إلى نصفين، كما تأثر أيضًا بعمليات البناء والإسكان.
أما “زينب بنت اسحاق النفزاوية” زوجة أمير المسلمين “يوسف بن تاشفين”، فقد تمتعت بمكانة عظيمة وسلطة واسعة، إذ كان زوجها يشركها في إدارة شؤون المملكة، يستمع لنصحها وإرشادها، بلغ من نفوذها أنها كانت تعزل من تريد من رجال الدّولة.
ومن ألمع النساء أيضا فاطمة ابنة أبي القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي عالم الرياضيات، الكيمياء، الفلك، الذي عرف في الأندلس بـ “إمام الرياضيين”، وكان قد ولد بمدينة مجريط “مدريد”، ثم رحل إلى قرطبة لتلقى العلم، يعتبر من أنبغ علماء الأندلس في عهد الخليفة الحاكم المستنصر، قيل عنه أنه أفضل الرياضيين والفلكيين في زمانه، شارك في ترجمة كتب بطليموس في الفلك، طور جداول الخوارزمي الفلكية، ابتكر تقنيات جديدة في علمي المساحة والمثلثات.
تعلمت فاطمة ابنته على يديه فصارت عالمة فلكية في الأندلس في نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر الميلادي، تعتبر من الأسماء المعترف بها عالميًا كإحدى الفلكيات اللواتي قدمن مساهمات مهمة وكبيرة في علم الفلك في تلك الحقبة الزمنية.
تتلمذت فاطمة على يدي والدها، شهدت دراساته وأبحاثه في علوم الرياضيات وعلم الفلك، عاشت في قرطبة عاصمة الخلافة، وصلت إلى معرفة عالية بعلم الفلك في عصرها، دخلت مجال التأليف، لقبت بـ “المجريطية”، نسبة إلى والدها المجريطي المولود في مدينة مجريط.
كما عملت مع والدها على تدقيق وتصحيح جداول الخوارزمي الفلكية، قاما بضبطها لتتناسب مع خط الزوال الذي يعبر فوق مدينة قرطبة، التي كانت تعتبر مركز العالم، منبع المعرفة والعلم فى تلك الحقبة، فأصبحت النقطة المرجعية لإجراء الحسابات، مثل مدينة “غرينتش” كمرجع للتوقيت حاليا، كما عملت معه على تصحيح التقاويم، حساب مواضع الشمس والقمر والكواكب بشكل دقيق، وضعا جداول لعلم الفلك الكروي، حساب الكسوف والخسوف.
تعتبر “تصحيحات فاطمة”، من أبرز ما كتبت، من مؤلفاتها أيضًا “رسالة حول الإسطرلاب”، شرحت من خلالها كيفية استخدام هذه الأداة الفلكية في الحساب والرصد الفلكي، هذا الكتاب تحتفظ به مكتبة “الإسكوريال” الاسبانية حتى اليوم.
يقول عنها المستعرب الإسباني “مانويلا مارين”، المتخصص في تاريخ الأندلس وأعلامه، “إنها إحدى ألمع النساء الأندلسيات اللاتي ساهمن في صناعة التاريخ”.
لقد أدت المكانة المرموقة للمرأة الأندلسية، حصولها على الحرية الكاملة، إلى أخطاء ومشكلات لا حصر لها، بل فساد كبير في حكم المرابطين ومن أتى بعدهم، فلم يقتصر أمرهن على عزل الوزراء والانفراد أو التدخل في شؤون الحكم فقط، لكنها بعد أن امتلكت المال، السلطان، الشهوة، اللذة، الشهرة، كثرت الفتن، حتى سقطت الأندلس.
سقطت الأندلس بسقوط أهلها، نسائها ورجالها، فتداعت الأمم والشعوب، تداعي الأكلة، سقطت بسبب الفساد الذي انتشر بين الملوك، حتى تفرق وتفرد كل سلطانٍ لزمانه، مملكته، طائفته، سطوة النساء على الحكم والحياة العامة، من دون وعي، لما قد يحدث من انحطاط، بعد ابتعادهن عن شرع الله تعالى، فأصبحت مقصدا للرجال، تلبي حاجاتهم، نسيت دورها في بناء المجتمع وتربية النشء، ابتعدت عن تعاليم الإسلام، صار الأمراء، الأثرياء، الشعراء يقصدونهن، يلتمسون شفاعتهن، يمدحونهن، يتغزلون بهن، يناورون عليهن، بل يقصدونهن للرذيلة، فكثرت الغانيات والجواري، وكثرت دور الزنا، حتى انتشرت في كل الأندلس.
انحرفت المرأة فانجرفت إلى طريق الضلال، فضلت وأضلت، وكان مشهد السقوط مدويا.

You might also like