عاتكة بنت زيد زوجات صالحات (12)

0 2

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة ان أمرها اطاعته وان نظر اليها سرته وان اقسم عليها ابرته وان غاب عنها نصحته- حفظته- في نفسها وماله». نتناول سيرة زوجات الصحابة المؤمنات القانتات الخاشعات المتصدقات الصائمات، لنضع بين يدي البيت المسلم الاسوة الحسنة والقدوة الطيبة لتقتدي نساؤنا بهن.

الصحابية الجليلة عاتكة، والدها زيد بن عمرو بن نفيل، والدتها أم كريز بنت الحضرمي، وأخوها سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، وعمر بن الخطاب ابن عم أبيها.
تزوجت عاتكة -رضي الله عنها- أربع مرات، الأولى من عبد الله بن أبى بكر -رضي الله عنه-ما ثم خلفه عليها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ثم خلفه عليها الزبير بن العوام -رضي الله عنه-، ثم خطبها على بن أبى طالب -رضي الله عنه- فردته، ثم خطبها ابنه الحسين بن على -رضي الله عنه- فتزوجته.
يقول الأستاذ محمود طعمة حلبى في كتابه “المائة الأوائل من صحابيات الرسول – صلى الله عليه وسلم- “:كانت عاتكة بارعة الجمال، حسنة الخَلق والخُلق، أسلمت في مكة، وبايعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- حين مبايعة النساء له.
وهاجرت عاتكة إلى المدينة بعد أن أذن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- لأصحابه بالهجرة لتكون بقربه وتنهل من نبع هدايته، وكانت -رضي الله عنها- بليغة فصيحة شاعرة، بل وحدة من أجود شواعر العرب، وقد برعت في الرثاء كثيرا، حيث تجلى ذلك في مرثياتها التى رثت بها أزواجها الواحد تلو الآخر، وحين وصفها العلامة ابن كثير: “كانت من حسان النساء وعبّادهن”.
تزوجها عبدالله بن أبى بكر -رضي الله عنه- ما وتجاوز في حبها حتى باتت تشغله عن عبادته وتلهيه عن مواقيت الصلاة، كما جعله حبها يتخلف عن أغلب الغزوات والمشاهد مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ووالده الصديق -رضي الله عنه-.
ولما علم الصديق أن سبب تقصير ولده عبدالله في عبادته حبه لعاتكة، خشى عليه من سوء العاقبة، ورأى أن ينقذه من أسرها، ويخلصه من ذلك الحب الطاغى، فأمره بطلاقها حتى يثوب إلى دينه، ويعود إلى مغازيه التى كان يحرص عليها.
ولم يجد عبدالله مفرا من تنفيذ رغبة والده مكرها، فطلقها، وابتعد كل منهما عن الآخر بجسده، لكن نيران الهوى في صدر عبدالله لم تنطفئ، بل زاد سعيرها اتقادا.وأخذ ينشد بصوت حزين سمعه الصديق -رضي الله عنها- فأشفق على ابنه وأمره بمراجعتها، فلما سمع عبدالله قول أبيه، صاح من فوره: أشهدك أنى قد راجعتها، ومن فرط فرحته نادى غلامه أيمن وقال له: اذهب فأنت حر. ثم إنطلق على جناح الشوق إلى عاتكة بالبُشرى وأخبرها بمراجعته لها.
ولكن صفاء الحياة لا يرجى له دوام، فقد خرج عبد الله إلى غزوة الائف مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، فأصيب بسهم، فمات شهيدا رحمه الله تعالى، وجعل منزله مع الشهداء البررة.ونظرا لحب عبدالله الشديد لها أهداها حديقة يملكها، بعد أن أعطته عهدا ألا تتزوج بعده، وعاش الزوجان في سعادة ووئام، يتبادلان من كؤوس الحب أعذبها، ومن كلمات السعادة أجملها.
ولما جاء نعيه إلى عاتكة بكته بحرقة ولوعة وأخذت ترثيه. وما زالت تبكيه إبان عدتها، فلما حلت بعث إليها عمر بن الخطاب -رضي الله عنها- يخطبها ، فأخبرته بعهدها لعبدالله وما أعطاها مقابل ذلك، فقال لها عمر بن الخطاب -رضي الله عنها-: ألا تستفتين؟ فإنك تحرمين ما أحل الله لك، فسألت على بن أبى طالب -رضي الله عنه- في هذا الشأن فقال: ردي ما أعطاك إلى أهله وتزوجي ما شئت. فنفذت فتوى على -رضي الله عنه- وتزوجت عمر -رضي الله عنه- وعاشت في كنفه، فاقتبست من علمه، وتعلمت من زهده.
وكان عمر سعيدا بها، وكانت تستأذنه إذا أراد الخروج إلى الصلاة لتحضر صلاة الجماعة معه في المسجد، فكان يقول لها: قد عرفت هواى في الجلوس..فترد بقولها: لا أدع استئذانك، ولم يكن يمنعها ما دامت تستأذنه.
ولما طعنه أبو لؤلؤة المجوسى بخنجره المسموم طعنة أفضت إلى وفاته، راحت ترثيه بما يستدر الدمع من المآقي المتحجرة. وتسلبت بالسواد إلى أن انقضت عدتها، ولما علم الزبير بن العوام -رضي الله عنه- أنها حلت طلب أن يتزوجها، فوافقت عليه وتزوجته.
وكان الزبير -رضي الله عنه- شديد الغيرة، وكانت عاتكة بادنة فأمرها ألا تخرج إلى المسجد، فقالت له: الأجل غيرتك أهجر المصلى الذى صليت فيه مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وأبى بكر وعمر؟! قال: لا أمنعك إذا! وتوضأ -رضي الله عنه- ثم خرج قبلها إلى صلاة الفجر، وتوارى عن طريقها بحيث يراها دون أن تراه، وكان الظلام مستحكما فلما مرت ضرب قفاها بيده، ثم تابع طريقه إلى المسجد، وعادت عاتكة إلى منزلها وهى تسترجع ، فلما فرغ من صلاته، رجع إلى منزله فقال لها: ما شهدتك في المسجد، فما بالك؟ قالت: لقد ظهر الفساد في الناس، ثم روت له ما حصل معها، وأخبرته أن صلاتها في بيتها خير لها، فسر بما سمع، وبلغ رغبته دون كبير عناء!
ثم خرج الزبير يوم الجمل في صف معاوية ضد على -رضي الله عنه- ما فلما ذكره على بقول النبي – صلى الله عليه وسلم- إنه سيقاتله وهو له ظالم، اعتزل القتال، وخرج من ساحته، ووقف يصلى،فرآه ابن جرموز فقتله وهو في صلاته، ثم ذهب إلى على مستبشرا ليخبره ظانا أنه سيثيبه على فعلته، فلما استأذن ابن جرموز على على قال على -رضي الله عنه-: بشر قاتل ابن صفية بالنار، ثم قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يقول: “إن لكل نبى حواريا وحوارى الزبير”. وعادت عاتكة إلى الحداد من جديد.
ولما انقضت عدة عاتكة، جاءها على بن أبى طالب خاطبا، فقالت له عاتكة: يا أمير المؤمنين ! أنت بقية الناس، وسيد المسلمين، وإنى أنفس بك عن الموت، فتركها على وأعرض عن الزواج منها، وقد روى أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-ما قال: من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة، وشاعت هذه المقولة بين الناس، ولكن الحسين بن على لم يأبه لهذه الإشاعة، فتقدم لخطبتها، وتم الزواج.
ولعل الشائعة كانت حقيقة مؤكدة، لأن الحسين -رضي الله عنه- استشهد في كربلاء يوم تعرض آل بيت النبي – صلى الله عليه وسلم- لأشنع مذبحة عرفها الناس.
وقد شهدت عاتكة مصرعه بأم عينها، ومما قالته في رثاء الحسين -رضي الله عنه-:
واحسينا ولا نسيت حسينا أقصـــــــــــدته أسنة الأعـــــــــداء
غـــــــــــادروه بكربلاء صريعــا جادت المزن في درا كربلاء
وكانت عاتكة هى التى رفعت خده عن الثرى الذى رواه بدمائه الطاهرة، وضمته إلى صدرها ضمة الوداع الأخير.
وعاشت عاتكة بعد الحسين -رضي الله عنه- عابدة زاهدة، كانت لا تغادر بيتها إلا في الضرورة القصوى، وعكفت على عبادتها رافضة كل من تقدم لخطبتها، عازفة عن الدنيا وما فيها.
ولما دعاها الأجل لبت نداءه، وذهبت إلى لقاء ربها، رحمها الله تعالى، ورضي عنها.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.