عاطف عبدالعزيز:”حيطان بيضاء” بدايتي الشعرية الحقيقية… ولا أنظم سيرتي الذاتية أكد أنه اختار الواقع المصري والعربي ليكون بطل أحدث دواوينه

0 113

القاهرة – شروق مدحت:

الشاعر عاطف عبدالعزيز يعد من أبرز شعراء جيل الثمانينات، لقب بـ “مهندس قصيدة النثر”، صدر له حتى الآن نحو 10 دواوين، حققت له انتشارا كبيرا في الساحة الشعرية، كما ترجم له العديد من القصائد إلى الإنكليزية، والفرنسية، والإسبانية، والكردية، والفارسية، صدرت له عدة دواوين.
“السياسة” التقت الشاعر وتتبعت مسيرته الشعرية وتجربته الأدبية والتحولات في قصيدت__ه الشعرية لاسيما ديوانه “شيء من الغبار”، الذي عرج من خلاله على الواقعين المصري والعربي في أعقاب ثورات الربيع العربي، وفيما يلي تفاصيل الحوار:

* ألجأ إلى تكثيف النص لأن الفائض اللغوي عبء لا يتحمله العمل الإبداعي
* جوهر العالم في أكثر الأشياء هامشية والخيال سيبقى فقيرًا إزاء زخم الواقع

لماذا اخترت “شيء من هذا الغبار” عنوانا لديوانك الأخير؟
عبارة وردت في ختام إحدى فقرات نص “سأم القاهرة” بالديوان، لكنني عمومًا أختار أسماء دواويني بما لا يشي بمحتوى الديوان على نحو صريح، أي أحب ألا يكون العنوان كاشفًا للتجربة أو ملخصًا لها، مع ذلك، فالغبار يمكن اعتباره من زاوية ما، إيماءة واضحة إلى تلك المناخات الاجتماعية والسياسية الملبدة، التي خيمت على الواقعين المصري والعربي في أعقاب “ثورات الربيع”، ما أحدثته من تحولات غامضة ومبتسرة، خلفت الكثير من الخلط وانعدام وضوح الرؤية.
ما الذي أردته من هذا التناص الذي صنعته بين عنوان نصٍّك “سأم القاهرة” و عنوان كتاب الشاعر الفرنسي شارل بودلير “سأم باريس”؟
لم أشأ تسليط الضوء على أي جوانب معتمة في هذا الشأن، بل أعتبر قصيدتي تلك أقرب لأن تكون غزلية في مدينة عظيمة، قديمة، مرهقة، كمدينة القاهرة، لكنه ذلك الإرهاق الذي يزيدها فتنة وجمالًا.
بودلير يقول في ختام ديوانه هذا، موجهًا كلامه إلى مدينته باريس: وإنما كخليلٍ داعرٍ عجوزٍ لعشيقةٍ عجوز، أريد أن أثمل بالعاهرة الفاحشة التي لا تكفُّ فتنتُها الجهنميةُ عن تجديدِ شبابي.
ماذا تعنى بذلك؟
يمكن القول: إنني كنت بهذا التناص الذي اصطنعته، كما لو كنت أشير من طرف خفي إلى علاقتي المركبة بمدينتي العجوز.. القاهرة، إنها العلاقة التي أراها تشبه إلى حد بعيد علاقة بودلير بباريس، من يدري، فربما أيضًا كنت أطمح لا شعوريًا إلى الاغتراف من فتنة القاهرة الجهنمية بغية أن أجدد شبابي، بحسب تعبير بودلير.
كيف قسمت المجموعة الشعرية حتى ينتقل القارئ من نص إلى آخر بشكل سلس؟
أنا ممن يولون عناية فائقة بإيقاع النص الأدبي، أراه جوهرًا لا غنى عنه، فإذا انسحب الأمر على الديوان بالكامل بحسبانه نصًا واحدًا على نحو ما فسوف يكون ذلك من دواعي سروري بالتأكيد.
كيف تتحقق متعة القراءة؟
متعة القراءة في ظني شرط لا يتحقق إلا بالانتباه لفكرة الإيقاع، على أي حال، أتعامل مع ترتيب النصوص داخل دواويني بذائقتي الشخصية بحسبانه شريطًا سينمائيًا يخضع لما يشبه عمليات المونتاج، بغض النظر عن توقيتات كتابة تلك النصوص.
هل أصبحت قدرتك على “التكثيف” سمة فى جميع أعمالك؟
توصيف أتمنى أن أستحقه، ويسعدني لأنني كنت حريصًا على ذلك طوال الوقت، كنت دائمًا ممن ينادون بتفعيل آلية الحذف حتى حدها الأقصى داخل النصوص الشعرية، قناعتي كانت ولا تزال أن الفائض اللغوي عبء لا يحتمله العمل الإبداعي عمومًا، الشعر على وجه الخصوص، لأن الرشاقة وتجنب الترهل اللغوي علامة شعرية ينبغي ألا يخلو منها النص الشعري.
سيرة ذاتية
إلى أي مدى تحتوي المجموعة الشعرية الجديدة على ذكريات وتفاصيل خاصة من حياتك؟
لا أكتب سيرة ذاتية، مع ذلك، فكل التفاصيل والوقائع الواردة بنصوصي تخصني بشكل أو بآخر، إما أن تكون قد حدثت لي بالفعل، أو حدثت لغيري وانفعلت بها، هي في هذه الحالة تكون قد باتت تخصني.
ما أبرز الأعمال التى كتبتها، وتشابهت مع شخصيتك وتجربة حياتك؟
أنا كل ما كتبت، وما كتبت أنا.
ماذا عن دور الخيال في قصائدك؟
الخيال مهما جمح سيبقى فقيرًا إزاء زخم الواقع المعاش، كما أن حياة الشاعر الشخصية وما تحتويه من وقائع، تبقى في حد ذاتها فقيرة إن لم يتم حقنها بتفاصيل مجلوبة من خارجها، الواقعية داخل النص الشعري ليست كما هي خارجه، إذ إنها داخل النص تخضع لجراحات الحذف والإضافة، التي تمليها الضرورة الفنية، أن الشعر يبقى في جوهره تشكيلًا لواقع جديد، أكثر من كونه تعبيرًا عن واقع قائم.
كيف تشكل عالمك مع الكتابة؟
أعتقد أن ديواني الثاني “حيطان بيضاء”، كان بدايتي الحقيقية، التي عثرت فيها على صوتي الخاص، أما ديواني الأول “ذاكرة الظل”، فقد اكتشفت بعد نشره أن أصوات آبائي من الشعراء تسربت إليه على نحو لا أقبل، أذكر أنني توقفت أيامها مدة ليست بالقصيرة عن الكتابة، إذ لم يكن من الممكن الاندفاع بقوة القصور الذاتي، لأصبح في النهاية صدى لغيري.
هل توجد مناطق محظورة في كتاباتك؟
لا أذكر أنني استشعرت الحرج أبدًا في الكتابة عن أي شيء، ربما ذلك لأن حساسيتي الفنية الخاصة تحول بيني وبين المباشرة، بطبعي أميل إلى دخول العوالم الكبرى من بواباتها الجانبية، مهووس برصد ظلال الأشياء وآثارها الباهتة، إيمانًا مني أن جوهر العالم يكمن في أكثر الأشياء هامشية، هذا النهج غالبًا ما يعفيني من المآزق التي يتعرض لها من يكتبون في مناطق محظورة على نحو مباشر.
هل تأثرت بدراستك للفن التشكيلي؟
لا ريب في أن دراستي للعمارة بكلية الفنون الجميلة، أتاحت لي احتكاكات بعوالم الفن التشكيلي الباذخة، وكان لها أكبر الآثار وأعمقها في حياتي بشكل عام، وفي تجربتي الشعرية على نحو خاص، وأستطيع القول بأن دراستي أعانتني على إرهاف حواسي لأقصى حد ممكن، بوصفها أدوات تلقي العالم، ما مكنني من الإنصات إليه بعمق.
ماذا عن طفولتك وكيف نشأت علاقتك بالكتاب؟
ولدت في ضاحية الزيتون بشرق القاهرة ضاحية تسكنها الطبقة الوسطى بشرائحها المتعددة، وولدت علاقتي بالقراءة بشكل طبيعي، في بيتنا كان يوجد دائمًا كتب، في البداية عبثت طفلًا ببقايا مكتبة أبي الذي كان في شبابه قارئًا نهمًا، إلى الحد الذي دعاه للجوء إلى استئجار الكتب من الباعة لقراءتها ثم إعادتها توفيرًا للنقود، تلك البداية أحدثت علاقة عميقة بيني وبين الكتاب في سن مبكرة، بعد ذلك عرفت قدماي طريق المكتبات العامة بعدما لاحظت وجود مكتبة عامة تقع على الطريق إلى مدرستي الابتدائية، هناك عرفت كتبًا ألهبت خيالي، مثل، كليلة ودمنة وقصص ألف ليلة وليلة.
ما أكثر كتاب ترك بصمة داخلك؟
سؤال صعب، فالكتب التي أثرت فيّ لا حصر لها، لكنني ما زلت حين أسأل هذا السؤال، يتبادر إلى ذهني لسبب أو آخر، كتاب “رياح حجرية” للشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين، الذي قرأته منذ نحو ثلاثين عامًا، مجموعة مقالات مجموعة في كتاب، اثرت فيّ تأثيرًا عميقًا، بل غيرت مفهومي للشعر آنذاك.
من أكثر الشعراء المعاصرين الذين تأثرت بهم؟
في بداياتي تأثرت بالعديد من الشعراء أمثال صلاح عبدالصبور، أحمد عبد المعطي حجازي، محمود درويش، لكنني سرعان ما تخلصت من تلك التأثرات، ورسمت لنفسي خطًا جديدًا منذ ديواني الثاني “حيطان بيضاء”، ربما يعود الفضل في ذلك إلى الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس، الذي قلب حياتي حين قرأت قصائده ذات يوم مصادفة.
قصائد مترجمة
ما أبرز قصائدك التى تمت ترجمتها إلى اللغات الاجنبية؟
ترجمت إلى اللغة الإنجليزية والإسبانية العديد من قصائدي مثل، أثر الماء، سان ستيفانو، سرير الوحيدة، بقايا النهار، سيرة الحب، وترجمت للفرنسية قصائد مثل، دفاتر البهجة، نافذة عالية نورها ضعيف، كما ترجمت إلى الكردية قصائد مثل، سان ستيفانو، بقايا النهار، قدح مقلوب وهناك أيضا ما ترجم منها إلى الفارسية لا أذكرها الآن.

أزمة نشر
لماذا لم تعد دور النشر حريصة على نشر دواوين الشعر مثل الرواية والقصة؟
الشعر يعاني أزمة نشر في العالم كله، وهذا أمر يتصل بطبيعة ومزاج عصر يسعى إلى تسليع كل شيء، الرواية والقصة خضعا لهذا التسليع بحكم علاقتهما المباشرة بفنون لها شعبية كاسحة في العالم كله مثل، فن السينما والدراما التلفزيونية، كما أن الغالبية العظمى من الروايات في العالم تصلح لأن تكون حكايات تعين على تزجية الوقت، بينما الشعر فن نخبوي، مقاربته مرهقة لأنه يرتكز على خصيصة أصيلة فيه وهي طرح الأسئلة، هذا أمر يستلزم جهدًا مضنيًا من القارئ.
هل سيختفي الشعر؟
من المهم الانتباه لحقيقة مهمة، أن الشعر سيبقى إلى أن تموت بموته كل الفنون، إنه روح كل فن، فاللقطة السينمائية لا تدخل إلى دولة الفن الخالد إلا بقدر ما تنطوي عليه من شعر، هذا الكلام ينطبق على اللوحة، التمثال، أشكال الفن كافة.

اللغة والشعر
هل تتاثر اللغة بالشعر؟
للشعر وظيفة أجل وأسمى، تنمية اللغة والحفاظ عليها من الاندثار، بل يوجد من يرى أن اختفاء الشعر، قد يعني تآكل اللغة وتلاشيها حتى يصل العالم إلى الخرس التام، أبني كلامي على حقيقتين، أولاهما أن اللغة وعاء الفكر، ثانيهما أن الشعر يظل مجدد اللغة وحافظها الأول في كل الثقافات، من ثم فاختفاؤه يعني تآكل اللغة واضمحلالها، تأسيسًا على ذلك، يصبح بقاء الشعر حيًا، ضرورة تتجاوز كل الضرورات، إذ يكاد يكون السبيل الأوحد لصيانة عقل وصوت أي أمة.
ما جديدك الفترة المقبلة؟
ما زلت حتى الآن أفكر في خطواتي المقبلة، لدي تجربة في كتابة نص شعري مشترك مع شاعرة صديقة، انتهينا منه فعلًا، نفكر في نشـــره عما قريب، ربما نقدمه للجمهور على هيئة قراءة ممسرحة.

You might also like