عاطف عبدالعزيز: قلوبنا وطن بديل لأصدقائنا السوريين دراسته في كلية الفنون الجميلة فرضت ملامحها على مسيرته الشعرية

0

القاهرة – شروق مدحت:

يعد من أبرز شعراء جيل الثمانينات، لقب بـ « مهندس قصيدة النثر»، عضو اتحاد الكتاب المصريين وأتيلية القاهرة، له عدد من الدواوين البارزة من بينها « ذاكرة الظل، حيطان بيضاء، كائنات تتهيأ للنوم، سياسة النسيان، الفجوة في شكلها الأخير، سيرة الحب، ترجمان الروائح»، يعد «برهان لا على شيء « الديوان العاشر في مسيرته الابداعية.
حول ديوانه الأخير ودواوينه السابقة، التقت « السياسة «، الشاعر عاطف عبد العزيز، في هذا الحوار.
كيف كانت طفولتك وعلاقتك بالكتاب؟
ولدت في ضاحية الزيتون بشرق القاهرة، والتي تسكنها الطبقة الوسطي بشرائحها المتعددة، علاقتي بالقراءة كانت طبيعية، ففي بيتنا وجدت الكتب، في البداية عبثت طفلًا ببقايا مكتبة أبي، الذي كان في شبابه قارئًا نهمًا، إلى الحد الذي دعاه لاستئجار الكتب من الباعة لقراءتها ثم اعادتها توفيرًا للنقود، تلك البداية أحدثت علاقة عميقة بيني وبين الكتاب في سن مبكرة، بعد ذلك عرفت قدماي طريق المكتبات العامة، بعدما لاحظت وجود مكتبة عامة في طريقي إلى مدرستي الابتدائية، فيها عرفت كتبًا ألهبت خيالي مثل « كليلة ودمنة» و» ألف ليلة وليلة».
هل دراستك للفن التشكيلي تركت تأثيرا على أعمالك الأدبية؟
كثيرون قالوا ذلك، أتفق معهم على أن هناك تأثيرات واضحة لدراستي في كلية الفنون الجميلة على كتاباتي، لاسيما أن الحس البصري كان أحد أهم ملامح تجربتي الشعرية، بل أجد وشائج متينة بين الفن التشكيلي والشعر الحديث، خاصة بعدما انتقلت كتابة الشعر في حداثته من خانة التعبير إلى خانة التشكيل.
لماذا ذكرت أن ديوان «حيطان بيضاء» يعد بداية تجربتك الابداعية؟
من الناحية التاريخية يعد ديواني الثاني، لكنني أعتبره الأول ابداعيًا، لأنه مثل انعطافة كبيرة في مسيرتي التي لازلت أستكملها منذ ذلك الحين، حين نشرت ديواني الأول «ذاكرة الظل»، نال استحسان الكثيرين، لكنه أعانني على أن أرى نفسي بوضوح، اذ اكتشفت أن أصوات آبائي من الشعراء، كانت قد تسربت إلى قصائدي، لذا كان على أن أكون صدي لغيري، أو أبحث عن صوتي الخاص، أذكر الآن أنني توقفت وقتها عن الكتابة فترة ليست بالقصيرة، حتى أمكنني أن أعثر على هذا الصوت الشخصي المفقود في ديوان «حيطان بيضاء».
كيف جاءت فكرة ديوانك الأخير» برهان لا على شيء «؟
لا أظن أن الدواوين تأتي محمولة على أفكار واضحة، على الأقل بالنسبة لي، لكن بالقطع توجد مناخات اجتماعية، نفسية، سياسية، تحيط بالشاعر، تكون لها اليد الطولي في صناعة نصوصه، يمكن لتلك القصائد أن تنتظم داخل سياق واحد في غالب الأحيان، بما يجعل الديوان ككل، يبدو وكأنه وحدة واحدة.
المأساة السورية
كيف جسدت المأساة السورية في ديوانك الأخير؟
لم أسع على الاطلاق إلى تجسيد أية مأساة، أنا ممن يؤمنون بأن الواقع يظل أبلغ من أي كلام، فلا يجسد المأساة الا المأساة نفسها، لكن ربما كانت المصادفات هي ما أوحت للبعض بهذا، هناك بالفعل عدة قصائد يرد فيها أشياء عن سورية، تدور في أجواء سورية، تمس سوريين أصدقاء.
من أبرز أبطال الديوان؟
لا يوجد بالديوان سوي بطل واحد، الذات الشاعرة، هذه الذات تتكئ بالطبع على وقائع وشخصيات مجلوبة من الواقع أو من الخيال لتمرر ما تريد تمريره، على أنه يمكننا عدّ تلك الوقائع والشخصيات، كلها واقعية، باعتبار أن الخيال شئنا أو أبينا يظل جزءًا لا يتجزأ من واقع الشعراء.
ما أبرز الرسائل الشعرية التي أردت استدعاءها في ديوانك الأخير؟
يستعيد الديوان بعض المناخات القصية التي حدثت في زمن منقض، بعض الشخوص الذين شكل حضورهم واحتل طابعا خاصا في فضاء الذات الشاعرة، تتجسد مركزية
الشخوص في كونها قادرة على اثارة الأسئلة، أيضا التركيز على محاولة ايجاد شكل من أشكال الوعي المشترك الدائر بينها
وبين الذات الشاعرة، من خلال الذهاب إلى الماضي القريب والبعيد.
لماذا استدعيت في نص « دليل الحائر إلى تبديل المصائر « مشهد فض اعتصام رابعة؟
أعتقد أن مشهد فض الاعتصام بالنص كان مرتبطًا ببقية المشاهد ارتباطًا عضويًا، فالنص يعكس حالة الاستقطاب العاتي والكراهية المبذولة بين طرفين، حيث يحتكر كل طرف منهما الحقيقة، من ثم يطرح النص طريقًا ثالثا ووحيدا لرأب الصدع وانقاذ الوطن وهو الحب، فمها ناجي الحبيبة القديمة التي انطوت عليها قلوب الجميع، كانت هي الحل الذي طرح نفسه حين ظهر طيفها فجأة حاملة علم الوطن.
لماذا أهديت الديوان لمبدعين ومبدعات سوريين؟
كل الذين وردت أسماؤهم في الاهداء شخصيات معروفة لكل مهتم، أغلبهم فنانون وكتاب أصدقاء، ما يجمعهم هو تجربة المنفي، لذا فهم يعانون معاناة مضاعفة بسبب هذه الغربة، أحببت بهذا الاهداء أن أمس أكتافهم، كي يعرفوا أن قلوب أصدقائهم لم تزل قادرة على أن تكون وطنًا بديلًا عند اللزوم.
ما اوجه التشابه بين الفيس بريسلي وعبد الحليم حافظ؟
الاثنان مغنيان كبيران، أظلهما زمن واحد ومناخ كوني واحد، كلاهما كان علامة بارزة من علامات الحرب الباردة والساخنة معًا، بين الغرب الذي تمثله الولايات المتحدة الأميركية التي كانت وقتها قوة عالمية صاعدة، والمشرق العربي الذي كان تمثله آنذاك مصر عبد الناصر، التي كانت أيضًا قوة اقليمية صاعدة، كلا الرجلين كان يمثل المزاج الاجتماعي للطبقة الوسطي في بلاده خير تمثيل، باختصار، يعدان مدخلًا شعريًا فاتنًا لقراءة هذه الحقبة.
لماذا لم تعد دور النشر حريصة على نشر دواوين الشعر مثل الرواية والقصة؟
الشعر يعاني أزمة نشر في العالم كله، هذا أمر يتصل بطبيعة ومزاج عصر يسعى إلى تسليع كل شيء، الرواية والقصة خضعا لهذا التسليع بحكم علاقتهما المباشرة بفنون لها شعبية كاسحة في العالم كله، مثل، فن السينما والدراما التليفزيونية، كما أن الغالبية العظمي من الروايات في العالم، تصلح لأن تكون حكايات تعين على تزجية الوقت، بينما الشعر فن نخبوي، مقاربته مرهقة لأنه يرتكز على خصيصة أصيلة فيه، هي طرح الأسئلة، هذا أمر يستلزم جهدًا مضنيًا من القارئ.
هل سيبقي الشعر مستقبلا؟
من المهم الانتباه لحقيقة أن الشعر سيبقي، هو الفن الذي أن مات ماتت بموته كل الفنون، انه روح كل فن، فاللقطة السينمائية لا تدخل إلى دولة الفن الخالد الا بقدر ما تنطوي عليه من شعر، هذا الكلام ينطبق على اللوحة، التمثال، كل أشكال الفن، يضاف إلى ما سبق أن للشعر وظيفة أجل وأسمي، هي تنمية اللغة والحفاظ عليها من الاندثار، البعض يرى أن اختفاء الشعر، قد يعني تآكل اللغة وتلاشيها حتى يصل العالم إلى الخرس التام.
ما رأيك في وضع قصيدة النثر حاليا؟
من ناحية الكم تعد قصيدة النثر هي متن الشعرية العربية الآن، لدينا مئات الشاعرات والشعراء في العالم العربي، لدينا آلاف الدواوين، غير أن نوعًا من الحصار ما زال مضروبًا عليها حتى الآن في بعض الدوائر المحافظة، تتمثل في بعض الأكاديميات والمؤسسات الثقافية، مثل، مؤسسة البابطين وباشرحيل، ما شابههما.
ما أبرز المشكلات التي تواجهها؟
علينا أن نقر برداءة أكثر ما ينشر تحت لافتة قصيدة النثر، نتيجة اجتراء الجهال والمتسكعين على كتابتها بعد تخليها الظاهري عن القيود والقواعد، مثل، الوزن وغيره، تلك الظاهرة يمكننا سحبها على كل أشكال الكتابة، فأغلب ما يكتب من الشعر العمودي والتفعيلي ردئ أيضًا، فمن طبائع الأمور أن الجيد في الشعر كان على الدوام قليلًا، خلاصة القول، ان أردنا المقارنة فعلينا بمقارنة الجيد من هنا بالجيد من هناك.

أزمة نقد
هل توجد أزمة نقد؟
بالتأكيد، توجد أزمة نقد طاحنة، لأن النقد في جوهره عملية ابداعية موازية، بينما الحاصل أن معظم من يسمون أنفسهم «نقادًا»، يعتمدون على مناهج جاهزة أنتجتها سياقات ثقافية مغايرة، الشعر العربي يشهد انفجارات هائلة منذ منتصف القرن العشرين، فيما يبقي النقد في عمومه غير قادر على ملاحقة تلك التفجيرات.
كيف تأثرت قصيدة النثر بغيرها من الفنون الأدبية؟
يمكن القول أن قصيدة النثر أثرت وتأثرت ببعض الأشكال الأدبية الأخرى، مثل فنون الحكي كالقصة والرواية وغيرهما، لاعتماد تلك الفنون على السرد، واستفادت بشكل واضح من فنون أخرى غير أدبية، مثل، السينما والفن التشكيلي وغيرهما، ففن كتابة السيناريو حاضر بوضوح في كثير من القصائد مثل مزج المشاهد وتقنيات القطع والفلاش باك، كما أن اعتماد قصيدة النثر على المشهد كبديل للصورة الشعرية التقليدية، بات أمرًا لا يحتاج إلى استدلال.
لماذا نرى أن تعاون مصر مع فرنسا في الجانب الثقافي، مكسب لمصر؟
تخصيص عام 2019 ليكون عاما للثقافة المصرية الفرنسية، يعد فرصة مهمة لاعادة الاعتبار إلى الثقافة المصرية في مرحلة دقيقة تشهد نوعًا من التآمر عليها في خضم الصراعات السياسية الاقليمية الراهنة، تزيد الأهمية بالطبع لو أخذنا في الاعتبار هذا الهوس الفرنسي المعروف بكل ما هو مصري منذ كشف شامبليون لرموز حجر رشيد، من ثم فتح الباب على مصراعيه للولوج إلى التاريخ المطمور لمصر القديمة.
كيف نستفيد من ذلك؟
ينبغي اقتناص الفرصة المتاحة، استثمار ذلك التعاون جيدا من خلال عقد بروتوكولات تعاون مشترك بين الجانبين في كل المجالات الثقافية، مثل، السينما، الأوبرا، المسرح، الفن التشكيلي، ترجمة الأدب، يمكن تنظيم الكثير من الندوات والفعاليات المشتركة بين الدولتين.
لماذا تراجع مستقبل الكتاب الورقي لصالح النسخة الالكترونية؟
رواج وانتشار الكتب الالكترونية له الكثير من الأسباب، أبرزها سهولة ايجاد طبعات الكتب التي تكون قد نفدت من الأسواق، كما يتميز بسهولة الحفظ والتداول، يمكن للشخص تكوين مكتبة الكترونية ضخمة تضم آلاف الكتب دون أن تشغل حيزا من المكان، يسهل العثور على الكتب المراد قراءتها، توفر الكثير من الأموال التي تستهلكها الكتب الورقية، لهذا صرت شخصيًا –رغم انتمائي إلى جيل قديم ممن يفضلون التعامل مع الكتب الالكترونية.
لماذا رفضت المشاركة في الملتقى الشعري الرابع؟
عندما أطلعت على قوائم الشعراء المصريين المشاركين في الملتقى الشعري الرابع وجدت نفس الأسماء التي دأبت على فرض نفسها على المشهد الشعري طوال الوقت من دون أي استحقاق، مع تجاهل الكثير من الأسماء الكبيرة والمهمة من جيلي وما يليه من أجيال، كما لاحظت تسرب أسماء جديدة بعضها لم أكن قد سمعت به من قبل والبعض الآخر أعرف أنه لا يستند إلى موهبة حقيقية، اذا أضفنا إلى ذلك رفض اللجنة العلمية للمؤتمر بحثًا عن الشاعر عماد أبو صالح لمجرد أنه يعزف عن قبول أية دعوات لتلك المؤتمرات، فسوف يتضح كيف أن الرفض كان واجبًا، لذلك وجدت أن مشاركتي تكاد تكون خيانة للشعر.
ماذا عن مشروعاتك وأعمالك المقبلة؟
أنهيت ديوانًا جديدًا بعنوان « شعراء الفيسبوك «، أتأمله الآن لبعض الوقت قبل دفعه للنشر، كما أعد عملًا مشتركًا مع شاعرة صديقة لكتابة نص توالدي، أتمنى أن تفتح «سكة» جديدة للكتابة.

You might also like

Leave A Reply

Your email address will not be published.

واحد × 1 =